الاثنين، مايو 28، 2007

الإمام الشافعى إمام أهل الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام الشافعى
1- اسمه ونسبه وأسرته
هو : أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف .
فهو هاشمى مطلبى ، ابن عم رسول الله e . وأما أمه فالمشهور أنها كانت من قبيلة الأزد ، وكنيتها : أم حبيبة .
وقيل : أمه هى فاطمة بنت عبد الله بن الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب .
وقد تزوج الإمام الشافعى رحمه الله تعالى بالسيدة : حميدة بنت نافع بن عيينة بن عمرو بن عثمان بن
عفان ، وذلك بعد وفاة الإمام مالك سنة 179هـ ، وعمر الشافعى آنذاك تسعة وعشرون سنة . كما أنه كانت له سرية من الإماء . ورزق من امرأته العثمانية : أبو عثمان محمد ، وهو الأكبر ، وكان قاضيا بمدينة حلب . وابنتان : فاطمة وزينب . كما رزق من سريته بابن آخر يقال له الحسن ، مات وهو طفل .
2- ميلاده ونشأته
2-1 : مولده :

ولد رحمه الله سنة خمسين ومائة ، وهى السنة التى توفى فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى . وقد ولد رحمه الله بعسقلان وهى من قرى غزة ، فنشأ فى إحدى قبائل اليمن المقيمة بفلسطين ، ثم سافرت به أمه إلى مكة . وكان منزله بمكة بقرب (شعب الخَيْف) .
2-2 : دور والدته :
يحكى الإمام الشافعى أن والدته خافت عليه أن يخمل ذكره ، ويضيع نسبه بسبب نشأته فى تلك القبيلة اليمنية ، ولا ينشأ على ما ينشأ عليه ضرباؤه من قبيلته قريش ، فقالت له : الحق بأهلك ، فتكون
مثلهم ، فإنى أخاف أن تُغْلَب على نسبك . فقدم مكة صغيرا ، وقد نشأ يتيما فقيرا فى حجر والدته ، حتى أنها لم يكن معها ما تعطى المعلم .
3- عصر الشافعى
3-1 : الحالة السياسية والاجتماعية :
ولد الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فى أواخر عهد أبى جعفر المنصور العباسى ، وتوفى فى أوائل عهد المأمون ، وقد شهد العصر الذى عاشه الإمام الشافعى رحمه الله تعالى استقرارا سياسيا .
والجدير بالذكر أن العباسيين هم سلالة العباس بن عبد المطلب عم النبى e . وقد اشتهرت الدولة العباسية من بين الدول التى عرفها التاريخ الإسلامى بأنها الأطول عمرا ، حيث استمرت الدولة العباسية من (132هـ /750م) إلى (656هـ/1258م) .
ويعد أبو جعفر المنصور هو المؤسس الحقيقى للدولة العباسية نظرا للجهود الضخمة التى بذلها لاستقرار الدولة ، وقد تولى الخلافة سنة (136 هـ/754م) بعد أخيه أبى العباس السفاح ، والذى يعتبر أول خليفة عباسى . وقد قام المنصور بتأسيس مدينة بغداد ، والتى أصبحت العاصمة السياسية للدولة ، كما أصبحت أحد المراكز العلمية الرئيسية فى البلاد الإسلامية .
وقد اتجهت الخلافة العباسية منذ قيامها نحو الشرق ، وأخذت الكثير عن الحضارات الشرقية ، وخاصة الفرس ، فأصبحت الدولة العباسية تدار مؤسساتها بنفس الطريقة التى كانت تدار بها المؤسسات الفارسية . وكانت الأحوال الداخلية فى هذا العصر تنعم بالاستقرار ، كما كانت للدولة الإسلامية فى هذا الوقت من القوة بما جعلها مهابة الجانب ، لا تتعرض للغزو أو الاعتداء الخارجى ، مما أدى إلى استقرار الداخل إلى حد كبير .
ومن أهم المنجزات التى قام بها الخلفاء العباسيون خاصة أبَّان قوة الدولة العباسية ، والذى امتد إلى سنة (232هـ/847) :
1- تأكيد شرعية الخلافة العباسية ، والقضاء على المحاولات التى استهدفت النيل من تلك الخلافة ، مما أدى إلى الاستقرار السياسى والاجتماعى والاقتصادى .
2- إقامة حكم إسلامى ، توافرت فيه المساواة بين جميع شعوب الدولة الإسلامية ، بخلاف الدولة الأموية التى كانت تميز العرب على غيرهم من الشعوب .
3- رعاية الدولة العباسية للحضارة الإسلامية العربية رعاية واسعة ، وإتاحة كافة الفرص أمام النمو الحضارى .
أما بالنسبة للسياسة الخارجية فى هذا العصر فمن الملاحظ تقلص الفتوحات ، وإن كان تأمين حدود الدولة الإسلامية ضد الدولة البيزنطية قد حاز اهتمام الخلفاء العباسيين ، حيث قاموا بتأمين الثغور ، وإنشاء القلاع ، وسلاسل من الحصون المتصلة . وقد أخذت سياسية الدولة العباسية ضد البيزنطيين شكلا قويا ومنظما فى عهد الخليفة الرشيد ، حيث كانت الغارات الإسلامية ضدهم تخرج بانتظام ، وفى أوقات معينة صيفا وشتاء ، حتى هدد المسلمون العاصمة القسطنطينية ، وقد اشتهرت تلك الغارات العباسية باسم (الصوائف والشواتى) .
وتمتع هذا العصر بالازدهار الاقتصادى والعلمى والثقافى . وكانت الحركة العلمية فى أوج نشاطها ، وقد اتسم هذا العصر بأنه عصر نشأة العلوم الإسلامية ، وبداية التصنيف والتأليف فيها ، ومثل هذه الفترات تمتاز بالحركة والنشاط الواسع ، وحركات النقد المختلفة ، وانتشار المناظرات العلمية ، والمجالس المختلفة ، والحوار بين شتى المدارس والاتجاهات .

3-2 : الحالة العلمية :
ساعد الاستقرار السياسى والازدهار الاقتصادى على نشاط الحركة العلمية ، كما كان الخلفاء وتشجيعهم للعلماء وحبهم للثقافة وراء مزيد من النشاط العلمى والثقافى . ومن الملاحظ أن الخلفاء العباسيين - وخاصة الأوائل منهم - قد امتازوا بالمستوى الثقافى والعلمى الرفيع ، فالمنصور والرشيد والمأمون كانوا فى مصاف العلماء .
ومن أهم مميزات الحركة العلمية فى هذا العصر تيسر سبل المعرفة والثقافة أمام الجميع ، ورعاية طلبة العلم على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ، وأدى هذا إلى ظهور جمهور من العلماء والأدباء من أبناء العامة والشعوب التى أسلمت حديثا .
ومن مظاهر الحياة العلمية فى العصر العباسى : رواج حركة الترجمة من الحضارات القديمة ، وقد كانت الحضارة الإسلامية فى هذا العصر من القوة التى استطاعت معها أن تهضم وتنقح وتعيد صياغة كل ما نقل إليها ، وصبغه بصبغتها الخاصة ، مما ساعد فى مزيد من القوة والنضوج للحضارة الإسلامية . وقد أسهمت عروبة الخلفاء العباسيين فى جعل اللغة العربية هى لغة الحضارة الناشئة وسياجها الحامى لها .
وقد كان هذا العصر - نتيجة لما تمتع به من قوة سياسية واستقرار شامل وحرية فكرية - يموج بشتى الأفكار والفرق ، فنجد فرق المعتزلة والشيعة والزنادقة والخوارج . وقد كان للحركات الزنادقة نشاط واسع أدى إلى آثار سلبية كثيرة على المجتمع .
وكانت هناك كثير من المراكز العلمية التى كانت تزخر بالحركة العلمية النشطة منها مكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، وبغداد ، والكوفة ، والبصرة ، ومصر ، ودمشق ، وبلاد ما وراء النهر ، والتى دخلت فى الإسلام حديثا .
وفى هذا العصر بدأ تبلور مدرستين أساسيتين فى الفقه الإسلامى : مدرسة الرأى ، ومدرسة الحديث .
أما مدرسة الرأى فأبرز من يمثلها : حماد بن أبى سليمان ، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت ، ومحمد بن الحسن الشيبانى ، وأبو يوسف القاضى ، وزفر بن الهذيل البصرى ، والحسن بن زياد اللؤلؤى ، وربيعة الرأى ابن عبد الرحمن . وتعد مدرسة الرأى امتداد لمدرسة عبد الله بن مسعود الذى أقام بالعراق ، وحمل عنه أصحابه العلم وقاموا بنشره حتى قال الحنفية : المذهب قول ابن مسعود . وكان عبد الله بن مسعود شديد التأثر بمنهج عمر ابن الخطاب فى الأخذ بالرأى ، والبحث عن علل الأحكام حيث لا نص .
كما كان لأصحاب على بن أبى طالب k دور كبير فى مدرسة الرأى .
ومن أشهر أصحاب ابن مسعود : علقمة بن قيس النخعى ، والأسود بن يزيد النخعى ، ومسروق بن الأجدع الهمدانى ، وعبيدة بن عمرو السلمانى ، وشريح بن الحارث القاضى ، والحارث الأعور ، وهم جميعا من فقهاء القرن الأول ، وماتوا رحمهم الله بين سنتى (63-83 هـ) . ثم تزعم مدرسة الرأى الإمام إبراهيم ابن يزيد النخعى ، ثم أتى بعده الإمام أبو حنيفة فتبلورت على يديه هو أصحابه طريقة مدرسة الرأى ، واستقر أمرها .
وكانت مدرسة الرأى مزدهرة فى العراق ومراكزه العلمية ، كما كان لها وجود قليل فى المدينة حيث كان يقيم الإمام ربيعة بن عبد الرحمن المشهور بربيعة الرأى .
وترى مدرسة الرأى أن شريعة الإسلام معقولة المعنى ، مبنية على أصول محكمة ، وعلل ضابطة للأحكام ، ودور الفقيه أن يكشف عن هذه العلل ليستطيع الحكم فيما استجد من الأمور .
وقد كان لشيوع الفرق المختلفة بالعراق ، وانتشار البدع فيه ، وكثرة الكذب والوضع على النبى e والصحابة -: أثر بالغ فى تقلل أئمة الرأى من رواية الحديث والاعتماد على الاستنباط مما صح عندهم ، خاصة وأن التصنيف فى السنة النبوية كان ما زال فى أطواره الأولى ، ولم يصنف أئمة الحديث المعتبرون بعد كتبهم المختارة المنتقاة التى يمكن الاعتماد عليها ، كصحيح البخارى ومسلم ، وكتب الجوامع والمسانيد ، ومن هنا اقتصر علماء العراق على ما صح لديهم .
أما مدرسة الحديث فكان يمثلها العديد من الأئمة منهم : سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم ابن محمد ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وخارجة بن زيد ، وسليمان يسار ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، وعمرو بن حزم ، محمد بن سيرين ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهرى ، وعطاء بن أبى رباح ، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وعبد الرحمن بن أبى ليلى ، ووكيع بن الجراح ، ومالك بن أنس ، والليث بن سعد ، ومسلم بن خالد الزنجى ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك ، والإمام الشافعى ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وغيرهم كثيرون من أئمة مدرسة الحديث .
وتعد مدرسة الحديث امتداد لمدرسة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنها ، وغيرهم من فقهاء الصحابة الذين أقاموا بمكة والمدينة ، واشتهر أصحابهم بها . وكانت مدرسة الحديث منتشرة بمكة والمدينة .
كما كان لها وجودها القوى بالعراق حيث كان يمثلها عامر الشعبى وسفيان الثورى ، كما كان لها وجودها القوى بالشام حيث مثلها الإمام الأوزاعى وعبد الله بن المبارك ، ومحمد بن جرير الطبرى .
وقد كان الخلفاء العباسيون يعملون بمذهب جدهم عبد الله بن عباس ، وقد جمع فتياه حفيد للمأمون ، واسمه أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب .
وتمتاز مدرسة الحديث بالوقوف عند النص من الكتاب أو السنة فإن لم يجدوا نظروا فى آثار الصحابة ، وكان لكثرة بضاعتهم من الحديث وحفظهم له ، وقلة ما يعرض لهم من مستجدات الحوادث فى الحجاز معقل مدرسة الحديث أثر كبير فى عدم الحاجة إلى التوسع فى الاستنباط بخلاف ما كان عليه الحال
فى العراق .
ومن الممكن القول بأن التشريع الإسلامى فى هذا العصر كان فى دوره الرابع ، باعتبار أن الدور الأول كان فى عصر النبى e ، والدور الثانى هو دور الصحابة ويمتد حتى نهاية عصر الراشدين سنة 41 هـ ، والدور الثالث والذى يمتد من سنة 41 هـ ، وحتى سقوط الدولة الأموية .
وقد امتاز الدور الثالث بأربعة أمور :
1- اتساع دائرة الفقه .
2- شيوع رواية الحديث .
3- بداية ظهور مدرستا أهل الحديث وأهل الرأى .
4- ارتباط كل بلد بما تلقوه من العلم عن فقهائهم الذين أخذوا عمن استقر عندهم من الصحابة .
ثم يأتى بعد ذلك الدور الرابع للفقه ، والذى يبدأ من أوائل القرن الثانى ويمتد إلى منتصف القرن
الرابع ، وقد نما الفقه فى هذا الدور نموا عظيما ، وزود الدولة الإسلامية بكل ما تحتاجه لتنظيم أمورها فى شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وفى هذا الدور ظهر نوابغ الفقهاء ، وفيه كان المجتهدون العظام الذين أسسوا مذاهبهم ، وتبلورت على أيديهم المدارس الفقهية الموجودة . كما دون فى هذا الدور علم الفقه بصورة متكاملة ، وضبطت قواعده ، وقعدت أصوله ، وجمعت أشتاته . كما دونت السنة تدوينا كاملا مما ساعد البحث الفقهى أتم المساعدة .
مميزات العصر العلمية :
نستطيع أن نجمل مميزات هذا العصر على وجه الإجمال فيما يلى :
1- اشتداد الخلاف بين مدرستى الرأى والحديث ، ثم استقرار الأمر على اعتبار الرأى مدرسة فقهية صحيحة متى كانت قائمة على أصول محددة بعيدة عن الرأى والهوى .
2- نهوض الفقه واتساعه آفاقه ، وظهر العديد من القضايا المستجدة .
3- اتجاه الدولة إلى الأخذ ببعض المذاهب المحددة فى القضاء والحكم .
4- ازدهار التدوين فى كثير من العلوم .
5- ظهور الفقه التقديرى الفرضى ، بعد أن كان الفقه واقعيا ، لا يبحث عن حكم ما لم يقع من
الحوادث ، أما فى هذا العصر فقد تجاوز الفقهاء الواقع إلى فرض وقائع ، وتقدير نوازل ، ثم بحث حكمها .
6- كثرة الآراء فى المسألة الواحدة ، نظرا لتعدد مناهج البحث ، وأصول المذاهب .
4- طلبه للعلم ورحلته
4-1 : البداية :

حفظ الإمام الشافعى رحمه الله تعالى القرآن ، ولما يتجاوز سبع سنين ، وكان يقرأ على إسماعيل بن قسطنطين ، وكان شيخ أهل مكة فى زمانه . ثم بدأ طلبه للعلم مبكرا ، وعمره حوالى عشر سنين ، وحبب إليه العلم جدا ، فكان يجالس العلماء بمكة ، ويحفظ الحديث والمسائل ، فيحكى عن نفسه يقول : جعلت لذتى فى هذا العلم وطلبه حتى رزقنى الله منه ما رزق .
4-2 : فقر الإمام الشافعى وأثره فى طلبه للعلم :
وقد كان الشافعى أول أمره فقيرا لا يجد ما يعطى المعلِّم ، فرضى منه المعلِّم أن يخلفه فى مجلسه إذا قام ليضبط له الكتّاب حتى يعود . فلما ختم القرآن بدأ فى مجالسة العلماء فى المسجد الحرام وتلقى العلم عنه ، وكان لفقره لا يجد ثمن الورق ليكتب فيه ، فكان يجمع العظام العريضة ليكتب فيها ، ثم يحفظها فى جرة قديمة كانت لديهم .
وقد حال الفقرُ بين الشافعى رحمه الله تعالى وبين الرحلة إلى الإمام الليث بن سعد بمصر ، فكان شديد الحزن على ما فاته من لقاء الليث بن سعد إمام مصر فى ذلك العهد ، وأحد الأئمة المجتهدين .
ومع هذا فقد كان الشافعى يرى فى الفقر أكبر دافع لتعلم العلم ، ويرى أن الغنى من موانع النشاط فى تعلم العلم ، ويقول : لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس . فقيل : ولا الغنى المكفى . فقال : ولا الغنى المكفى .
4-3 : رحلته إلى المدينة :
ثم رحل رحمه الله إلى المدينة للأخذ عن علمائها ، فقد كان حفظ موطأ الإمام مالك ، وأراد أن يتلقاه عن الإمام مالك نفسه ، وقد استصغر الإمام مالك سنه فى أول الأمر ، وطلب من الشافعى أن يحضر معه من يقرأ له ، فلما سمع قراءة الشافعى أعجب مالك بها جدا ، لفصاحة الشافعى وجودة قراءته .
وقد حفظ الشافعى الموطأ وقرأه على الإمام مالك وعمره ثلاث عشرة سنة تقريبا ، أى كان ذلك سنة 163هـ ، ولازمه حتى وفاته سنة 179 ، أى أنه لازم الإمام مالك ستة عشرة سنة .
يقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : قدمت المدينة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ؛ لأقرأ على مالك
الموطأ . فقال لى : اطلب من يقرأ لك . فقلت : أنا أقرأ لنفسى ، فقرأت عليه ، فكان ربما يقول لى فى حديث من الأحاديث أعده ، فأعيده حفظا .
4-4 : رحلته الأولى إلى العراق :
يقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى لما مات مالك كنت فقيرا ، فاتفق أن والى اليمن قدم المدينة ، فكلمه بعض القرشيين فى أن أصحبه ، فذهبت معه ، واستعملنى فى أعمال كثيرة ، وحمدت فيها ، والناس
أثنوا على .
ولم يكن عند أمى ما تعطينى ما أتحمل به فرهنت دارا ، فتحملت معه .
يقول الشافعى : ووليت نجران ، وبها بنو الحارث ابن عبد المدان ، وموالٍ من ثقيف ، وكان الوالى إذا أتاهم صانعوه فأردونى على نحو ذلك فلم يجدوا عندى .
وقد سار الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فيهم بالعدل ، فوشوا به للخليفة ، فحمل إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية سنة 184 هـ ، وأدخل على هارون الرشيد الذى عرف للشافعى قدره ومكانته فأطلقه ، وأجازه بخمسين ألفا ، يقول الشافعى : فما وصلت إلى الباب حتى فرقت الخمسين ألفا على حجّاب أمير المؤمنين وبوابيه .
ثم أخذ الشافعى يتصل بالحياة العلمية بغداد ، وكان ذلك أول أخذه العلم عن علماء بغداد ، وخاصة الإمام محمد بن الحسن صاحب الإمام أبى حنيفة صاحب المذهب المشهور . وقد أكثر الشافعى من التعلم على محمد بن الحسن ، وتلقى جميع مصنفاته ، ودرس مذهب الحنفية دراسة واسعة حتى كان يقوم ويناظر تلاميذ محمد بن الحسن فى مجلسه .
وقد أقام الشافعى مدة بغداد ، سافر بعدها عائدا إلى بلده مكة ، ليعقد بها أول مجالسه فى
الحرم المكى .
4-5 : الرحلة الثانية والثالثة إلى بغداد :
ثم عاد الشافعى بعد من مكة إلى بغداد ، وذلك سنة 195 هـ ، وقد بلغ من العمر خمس
وأربعون سنة ، وقد استوى عالما له منهجه المتكامل ، ومذهبه الخاص به .
وقد كان للشافعى فى هذه الرحلة الثانية أثر واضح على الحياة العلمية فى بغداد .
يقول الإمام إبراهيم الحربى (وهو أحد المجتهدين من مدرسة الحديث) : قدم الشافعى بغداد ، وفى الجامع الغربى عشرون حلقة لأصحاب الرأى ، فلما كان فى الجمعة لم يثبت منها إلا ثلاث حلق أو أربع .
وقد مكث الشافعى بغداد فى هذه القدمة سنتين ، نشر بها مذهبه القديم ، وصنف كتبه الحجة ، وتخرجه به فيها جماعة من الفقهاء . ولازمه فيها أربعة من كبار أصحابه : أحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، والزعفرانى ، والكرابيسى .
ثم رجع الإمام الشافعى رحمه الله تعالى إلى مكة ، ليعود إلى بغداد مرة أخيرة فى سنة 198 هـ ، إلا أنه لم يمكث فى هذه المرة الأخيرة غير بضع أشهر عزم فيها على الرحيل إلى مصر .
4-6 : الرحلة إلى مصر :
غادر الإمام الشافعى رحمه الله تعالى بغداد بعد أن نشر بها مذهبه ، وترك بها عدد كبير من أصحابه تولوا بعده نشر المذهب ، والتصنيف فيه ، حتى أصبحت لهم مدرسة متميزة خاصة بهم داخل المذهب الشافعى ، عرفت بطريقة العراقيين .
وكان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى يعرف جيدا أحوال مصر قبل قدومه إليها ، فقد سأل الربيع عن أهل مصر قبل أن يرحل إليهم فقال الربيع : هم فرقتان ، فرقة مالت إلى قول مالك ، وناضلت عنه ، وفرقة مالت إلى قول أبى حنيفة وناضلت عنه .
فقال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله ، فآتيهم بشىء أشغلهم به عن القولين جميعا .
فكان كما قال رحمه الله تعالى .
وكان قد نبغ بمصر عدد من أئمة المالكية ، فأول من أدخل مذهب مالك الإمام عبد الله بن وهب ، وتبعه كثيرون ،كعبد الرحمن بن القاسم ، وأشهب بن عبد العزيز ، وانتهت إليهما رئاسة المذهب المالكى
بمصر ، كما كان من أئمة المالكية عبد الله بن الحكم ، وابنه محمد ، والذى صحب الإمام الشافعى رحمه الله تعالى لما قدم مصر .
وكان بالإضافة إلى المالكية والحنفية يوجد أصحاب الإمام الليث بن سعد ، والذى كان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى يقول فيه : الليث أفقه من مالك ، إلا أن أصحابه لم يقوموا به . وكان الشافعى يتأسف كثيرا على فوات الليث ، وقد توفى الليث 175 هـ ، وكان الشافعى فقيرا لا يملك نفقة السفر إلى مصر للقائه .
وقد قدم الإمام الشافعى رحمه الله تعالى مصر فى حدود سنة 199هـ ، صاحبا معه من تلاميذه الربيع ابن سليمان المرادى ، وعبد الله بن الزبير الحميدى والذين كانا ملازمين له فى رحلاته ، وابتدأ فى إلقاء دروسه بجامع عمرو بن العاص ، ومال إليه كثير من المصريين لعربيته وقرشيته ، وتحول كثير من أتباع مالك وأبى حنيفة إلى مذهبه ، كالإمام البويطى والمزنى .
5- نبوغ الشافعى
5-1 : إجازة الشافعى المبكرة بالإفتاء والتدريس ونحوه :

ظهر نبوغ الإمام الشافعى مبكرا ، حتى أذن له شيوخه بالإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة ، فلم يكن لطالب العلم حسب النظام العلمى المتبع آنذاك أن يتصدر للتدريس والإفتاء والتصنيف ، إلا بعد أن يأذن له شيوخه بذلك ، حين يرونه أهلا وجديرا بهذا ، ولا يتقيدون فى ذلك بسن ، بل من رأونه أهلا أجازوه
وأذنوا له .
قال له شيخه الإمام مسلم بن خالد الزنجى شيخ مكة المكرمة فى عصره : أفت يا أبا عبد الله ، فقد - والله - آن لك أن تفتى . والشافعى ابن خمس عشرة سنة .
وهذا هو شيخه محمد بن الحسن صاحب الإمام أبى حنيفة يعرض على الشافعى أحدح كتبه ، ويحب أن ينظر فيها .
يقول له محمد بن الحسن : وضعت كتابا على أهل المدينة تنظر فيه ؟ . فينظر فيه الشافعى ثم يضعه . فيسأله محمد بن الحسن : مَالَكَ ؟ فيجيب الشافعى : أوله خطأ ، على من وضعت هذا الكتاب ؟ قال محمد : على أهل المدينة . قال الشافعى : من أهل المدينة . قال محمد : مالك بن أنس . قال الشافعى : فمالك رجل واحد ، وقد كان بالمدينة فقهاء غير مالك : ابن أبى ذئب والمجاشون ، وفلان وفلان . وقال رسول الله e : المدينة لا يدخلها الدجال ، والمدينة لا يدخلها الطاعون ، والمدينة على كل بيت منها ملك شاهر سيفه .
5-2 : نبوغ الشافعى :
لقد جاوز نبوغ الشافعى ما كان يتمناه معاصروه أن يروه فى أحد من العلماء حتى قال أيوب بن سويد الرملى لما رأى الشافعى : ما ظننت أنى أعيش حتى أرى مثل هذا الرجل قط .
وكان يحيى القطان - وهو أحد علماء السنة النبوية البارزين - يقول : ((إنى لأدعو الله عز وجل للشافعى فى كل صلاة)) . يعنى لما فتح الله عز وجل عليه من العلم ، ووفقه للسداد فيه .
وقال إسحاق بن راهويه - وهو أحد علماء السنة النبوية البارزين وأحد فقهاء مدرسة الحديث -: ((كنا بمكة والشافعى بها ، وأحمد بن حنبل - صاحب المذهب - بها فقال لى أحمد بن حنبل : يا أبا يعقوب جالس هذا الرجل - يعنى الشافعى - . قلت : ما أصنع به ، وسنه قريب من سننا ؟ أترك ابن عيينة والمقبرى (وهما من أهم حفاظ الحديث النبوى ورواته فى هذا العصر) . فقال أحمد بن حنبل : ويحك إن ذاك يفوت ، وذا لا يفوت . فجالسته)) . يريد الإمام أحمد أنه إذا لم يجالس الشافعى للتعلم يفوته ما عنده ، ولا يجد أحدا عنده مثله ، بخلاف إذا فاته سماع الحديث من ابن عيينة والمقبرى فإنه يستطيع أن يسمعه من تلاميذهم .
وإنما قال إسحاق بن راهويه : ((ما أصنع به وسنه قريب من سننا)) ؛ لأنه من عادة أهل الحديث أن يقصدوا سماع الحديث ممن كبرت سنه وعلت ، حتى يكون رجال الإسناد بينهم وبين رسول الله e أقل ما يمكن من حيث العدد ، وهو ما يسمونه بعلو الإسناد . وعلى سبيل المثال فإن ابن عيينة من شيوخ الشافعى الذين أكثر الشافعى من الأخذ عنهم ، فإذا تواجد الاثنان فى بلدة واحدة كما فى القصة السابقة ، كان من الأفضل من حيث الإسناد أن تذهب لابن عيينة للسماع منه فتكون قد ساويت الشافعى فى شيوخه ، بينما إذا ذهبت إلى الشافعى تكون قد زدت على نفسك رجلا فى الإسناد ، وأصبح إسنادك نازل كما يسميه علماء الحديث ، لكن لما كان عند الشافعى من الفقه والعلم ما ليس عند ابن عيينة حبذ الإمام أحمد الأخذ عن الشافعى ، وإن كان الإسناد سيصبح نازلا .
نستطيع فى ضوء هذا أن نقرأ الواقعة التالية : سافر الإمام أحمد للحج ، فلما كان بمكة خرج يوما
باكرا ، فطلبه أحد أصحابه فى مجلس ابن عيينة فلم يجده فدار عليه فى مجالس العلماء مجلسا مجلسا حتى وجده فى مجلس شاب أعرابى ، فقال لأحمد : تركت ابن عيينة وعنده من الزهرى وعمرو دينار وزياد بن علاقة والتابعين ما الله به عليم (يعنى عنده من حديثهم الذى يروونه عن الصحابة عن النبى) . فقال لى أحمد : اسكت ، فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول ؛ لا يضرك فى دينك ، ولا فى عقلك . وإن فاتك أمر هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة ، ما رأيت أحدا أفقه فى كتاب الله من هذا الفتى القرشى . قلت من هذا ؟ قال : محمد بن إدريس الشافعى .
وقد كان الإمام أحمد لا يدع أحد من أصحابه إلا ودله على الإمام الشافعى ، فها هو يدل عليه الإمام إسحاق بن راهويه ، وكذلك يدل الإمام الحميدى . يحكى الحميدى - وهو أيضا من أئمة الحديث وكان مكيا - فيقول : ((كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة . فقال لى ذات يوم : ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة . فقلت له : فمن هو ؟ قال : محمد بن إدريس الشافعى . وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق ، فلم يزل بى حتى اجترنى إليه)) .
فلما ذهب الحميدى إلى الشافعى أعجب به جدا ، وأصبح من كبار أصحابه ، وأخذ يدعو الناس إلى مجالسته والأخذ عنه حتى أصبح مجلس الشافعى يقرب من مجلس سفيان بن عيينة ، فقد كان الشافعى أول الأمر يجلس جانبا بالحرم المكى ، يبنما مجلس ابن عيينة بصدر الحرم . يحكى لنا الحميدى ذلك فيقول : وكان كلامه وقع فى قلبى ، فجالسته ، فغلبتهم عليه (يعنى أصبحت أقرب إليه من أصحابه القدامى) ، فلم نزل نقدم مجلس الشافعى ، حتى كان يقرب مجلس سفيان بن عيينة .
ولكن هذا هو شيخ الشافعى : الإمام سفيان بن عيينة نفسه يرجع إلى تلميذه النجيب الشافعى ويسأله عن فقه حديث رواه ، يقول إبراهيم بن محمد : كنا فى مجلس ابن عيينة - والشافعى حاضر - فحدث ابن عيينة أن النبى e مر به رجل فى بعض الليل ، وهو مع امرأته صفية ، فقال e : تعال ، هذه امرأتى
صفية . فقال : سبحان الله ! يا رسول الله e . قال e : إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم . فقال ابن عيينة للشافعى : ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله . قال : إن كان القوم اتهموا النبى e : كانوا بتهمتهم إياه كفارا ، لكن النبى e أدب من بعده فقال : إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، حتى لا يظن بكم ظن السوء ؛ لا أن النبى e يُتَّهم ؛ وهو أمين الله عز وجل فى أرضه . فقال ابن عيينة : جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله ، ما يجيئنا منك إلا كل ما تحبه .
ولم يكن سفيان بن عيينة قليل القدر فى الفقه والعلم ، ولكنه الأدب العلماء الذى جعله يعطى كل ذى حق حقه ، وكان من أدب سفيان بن عيينة أنه كان لا يحب الفتيا ، حتى إن الشافعى كان يقول : ما رأيت أحدا من الناس فيه من آلة العلم ما فى سفيان بن عيينة ، وما رأيت أحدا أكف عن الفتيا منه ، وما رأيت أحدا أحسن لتفسير الحديث منه .
ويقول الإمام أحمد بن حنبل : كانت أقفيتنا أصحاب الحديث فى أيدى أصحاب أبى حنيفة
ما تنزع(1) ، حتى رأينا الشافعى ، وكان أفقه الناس فى كتاب الله وسنة رسول الله e .
6- شيوخه وتلاميذه
6-1 : شيوخه :

أخذ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين شيخ أهل مكة فى زمانه بقراءة ابن كثير .
وأخذ العلم عن شيوخ مكة منهم : سفيان بن عيينة إمام أهل الحديث ، ومسلم بن خالد الزنجى فقيه
مكة ، وسعيد بن سالم القداح ، وداود بن عبد الرحمن العطار ، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى داود .
كما لازم الإمام مالك بالمدينة سنين حتى توفى سنة 179 .
وأخذ بالمدينة أيضا عن إبراهيم بن سعد الأنصارى ، وعبد العزيز بن محمد الدراوردى ، وإبراهيم بن أبى يحيى الأسلمى ، ومحمد بن سعيد بن أبى فديك ، وعبد الله بن نافع الصائغ صاحب ابن أبى ذئب .
ولما سافر لبغداد فى المرة الأولى أخذ عن : محمد بن الحسن الفقيه صاحب أبى حنيفة ، ووكيع بن
الجراح ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى ، وأبو أسامة حماد بن أسامة الكوفى ، وإسماعيل بن علية ، وهؤلاء الأربعة من حفاظ الحديث النبوى .
6-2 : أصحابه وتلاميذه :
من أصحاب الإمام الشافعى رحمه الله تعالى الإمام أحمد بن حنبل ، وقد رأينا فيما سبق كيف كان حب الإمام أحمد للشافعى ، وحرصه على حضور مجالسه ، وحث أصحابه على حضورها .
وكان الإمام أحمد يحب المكث مع الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ، فيقول للحسن بن محمد الصباح : إذا رأيت أبا عبد الله الشافعى قد خلا فأعلمنى ، قال : وكان يجيئه إذا ارتفع النهار فيبقى معه .
وقد كان الحب بينهما متبادلا ، وكان الإمام الشافعى بعد أن استقر بمصر يتمنى قدوم الإمام أحمد
ويقول : وعدنى أحمد بن حنبل أن يقدم على مصر .
ولكن يبدو أن خفة ذات يد الإمام أحمد وفقره منعته من الوفاء بوعده للإمام الشافعى رحمه الله تعالى .
ومن أصحابه : أبو بكر الحميدى والذى كان من حفاظ الحديث ، فكان لأهل مكة كأحمد بن حنبل لأهل العراق .
ومن أصحابه : أبو الوليد المكى موسى بن أبى الجارود ، راوى كتاب الأمالى عن الشافعى .
ومن أصحابه : الإمام الجليل أبو يعقوب البويطى ، وهو أكبر أصحاب الشافعى المصريين .
ومن أصحابه : الإمام الجليل أبو إبراهيم المزنى ، ناصر المذهب ، وصاحب المختصر المشهور .
ومن أصحابه : الإمام الجليل الربيع بن سليمان ، راوية كتب الشافعى .
ومن أصحابه : الإمام المجتهد أبو ثور إبراهيم بن خالد البغدادى .
6-3 : علاقته بتلاميذه :
كان للشافعى طريقته المتميزة فى تربية تلاميذه ، وكان حريصا أشد الحرص على تنمية روح الاجتهاد والاستقلال فى نفوسهم .
وكان يقول لهم : كل ما قلت لكم فلم تشهد عليه عقولكم وتقبله وتَرَهُ حقا فلا تقبلوه ؛ فإن العقل مضطر إلى قبول الحق .
وكان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ينهى تلاميذه أشد النهى عن التقليد سواء له أو لغيره . يقول الإمام المزنى فى مقدمة المختصر المشهور فى الفقه : ((اختصرت هذا المتاب من علم محمد بن إدريس الشافعى
رحمه الله ، ومن معنى قوله ، لأقربه على من أراده ، مع إعلاميه نهيه عن تقليده ، وتقليد يغعره لينظر فيه لدينه ، ويحتاط فيه لنفسه ، وبالله التوفيق)) .
ولهذا فإن الراصد لطبقات علماء الشافعية يجدهم قد فاقوا سائر المذاهب الأخرى فى عدد من وصل منهم لرتبة الاجتهاد ، حتى إنه لا تكاد تخلو طبقة منهم من مجتهد أو أكثر ، مما يعنى أن سلاسل المذهب وأسانيده متصلة بالمجتهدين فى طبقاتها جميعا ، وهذه منقبة عظيمة .
ويكلم الإمام الشافعى رحمه الله تعالى تلميذه يونس بن عبد الأعلى مرة فى مسألة ، فيتراجعان فيها . فيقول الشافعى : إنى لأجد فرقانها فى قلبى ، وما أقدر أن أبينه بلسانى .
وكان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى يشجع تلاميذه على التفكير ويحثهم عليه بشتى الوسائل ويجعل لهم الجوائز المالية لمن أصاب منهم . يقول الحميدى : كان الشافعى ربما ألقى علىّ وعلى ابنه أبى عثمان
المسألة ، فيقول : أيكما أصاب فله دينار .
وكان شديد الحب لأصحابه واسع الجود معهم ، يقضى لهم حوائجهم ويساعدهم فى أمورهم ، وقد ذكرنا فى باب صفات الشافعى ، تحت صفة الجود الكثير من المواقف .
وقد بلغ حب الشافعى من نفوس أصحابه مبلغا كبيرا ، فكانوا لا يتوانون عن نشر مذهبه وقراءة كتبه من بعده حرصا منهم على نشر علم الشافعى بين الناس لينتفعوا به .
يقول الربيع بن سليمان المرادى : كتب إلى أبو يعقوب البويطى وهو فى السجن (وكان البويطى قد أخلفه الشافعى فى مجلسه بعده ، فلما سجن البويطى جلس مكانه الربيع بن سليمان المرادى راوية كتب الشافعى) : يسألنى أن اصبر نفسى للغرباء ممن يسمع كتب الشافعى ، ويسألنى أن أحسن خلقى لأصحابنا الذين فى الحلقة ، والاحتمال منهم ، ويقول لم أزل أسمع الشافعى كثيرا يردد هذا البيت :
ولن تكرم النفس التى لا تهينها
أهين لهم نفسى لكى يكرمونها
7- الشافعى وعلم الأصول
من المشهور أن الإمام الشافعى رحمه الله تعالى هو واضع علم الأصول .
يقول الإمام حسين الكرابيسى (أحد الفقهاء الكبار) وقد سئل عن الشافعى ، فقال : ما أقول فى رجل ابتدأ فى أفواه الناس : الكتاب والسنة والاتفاق (يعنى أول من أطلق هذه العبارة) ، ما كنا ندرى ما الكتاب والسنة - نحن ولا الأولون - حتى سمعنا من الشافعى : الكتاب والسنة والإجماع .
ودور الإمام الشافعى فى علم الأصول ، وآراؤه الأصولية كان وما زال محل اهتمام العلماء والباحثين ، وأفردت له العديد من الدراسات ، هذا طبعا بخلاف اهتمام علماء الشافعية وغيرهم فى مصنفاتهم الأصولية ببيان آراء الإمام الشافعى الأصولية .
ويعد كتاب الإمام الشافعى المسمى بالرسالة هو أول كتاب ألف فى هذا العلم ، كما أنه المصدر الرئيسى لآراء الشافعى الأصولية ، بالإضافة إلى بعض المؤلفات الأخرى له التى تتناول بعض الموضوعات الأصولية ككتاب (إبطال الاستحسان) ، وكتاب (اختلاف الحديث) ، وهما مطبوعان مع الأم ، هذا غير الكثير من المباحث الأصولية الضافية فى ثنايا الأم وغيرها من مصنفات الإمام الشافعى ، والذى طبع العديد منها مع كتاب الأم .
وقد ألف الإمام الشافعى الرسالة بناء على طلب من الإمام عبد الرحمن بن مهدى ، وهو أحد أئمة
الحديث ، فقد كتب الإمام الشافعى - والشافعى ما زال شابا - أن يضع كتابا فيه معانى القرآن ويجمع قبول الأخبار فيه ، وحجة الإجماع ، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة ، فوضع له كتاب الرسالة ، وأرسلها له ، ومن هنا اشتهر تسميته بالرسالة ، فلما قرأها ابن مهدى قال : ((لما نظرت الرسالة للشافعى أذهلتنى ، لأننى رأيت كلام رجل عاقل فصيح ناصح ، فإنى لأكثر الدعاء له)) .
ويقول الإمام ابن مهدى أيضا : ما أصلى صلاة إلا وأنا أدعو للشافعى فيها .
ويقول الإمام المزنى تلميذ الشافعى (المتوفى سنة 264) : قرأت كتاب الرسالة للشافعى خمسمائة مرة ، ما من مرة منها إلا واستفدت فائدة جديدة لم أستفدها فى الأخرى . وقال أيضا : أنا أنظر فى الرسالة منذ خمسين سنة ما أعلم أنى نظرت فيه مرة إلا وأنا أستفيد شيئا لم أكن عرفته .
وقد تميز أسلوب الإمام الشافعى فى الرسالة - شأنه فى سائر كتبه - برشاقة الأسلوب ، وبلاغته ، وبنائه على الأسلوب الحوارى فى طرح المباحث ومناقشة القضايا مما يضفى حيوية كبيرة على كلامه .
8- مذهبه الفقهى
8-1 : أهمية مذهب الشافعى :
لمذهب الشافعى أهمية كبيرة وانتشار واسع من عصر الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ، وإلى يومنا هذا .
ولعلماء المذهب الشافعى أثر بالغ فى تاريخ العلوم الإسلامية قاطبة ، والمؤلفون فى شتى العلوم بين علماء هذا المذهب فى غاية الكثرة ، {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} ، بل لو أراد طالب علم منتسب إلى مذهب الشافعى ألا يتعلم العلوم الإسلامية إلا من خلال مؤلفات وضعها علماء شافعية لتيسر له ذلك تماما ، ودون أدنى مشقة .
ولآراء الإمام الشافعى رحمه الله تعالى قيمتها الخاصة منذ كانت ؛ يقول حميد بن أحمد البصرى : كنت عند أحمد بن حنبل ، نتذاكر فى مسألة ، فقال رجل لأحمد : يا أبا عبد الله ، لا يصح فيه حديث . فقال : إن لم يصح فيه حديث ، ففيه قول الشافعى ، وحجته أثبت شىء فيه . ثم قال للشافعى : ما تقول فى مسألة كذا وكذا ؟ فأجاب فيها قلت : من أين قلتَ ؟ هل فيه حديث أو كتاب (يعنى قرآن) . قال الشافعى : بلى ، فنزع فى ذلك حديثا للنبى e ، وهو حديث نص فى المسألة .
وهكذا نجد فى هذا الموقف أن الشافعى أكثر استحضارا للنصوص الكتاب والسنة ، وأكثر قدرة فى الاستدلال بها من كبار حفاظ الحديث .
ومذهب الشافعى أقل خطأ وأكثر اتباعا للكتاب والسنة ، هكذا كان يراه معاصروه ، من كبار أئمة ذلك الوقت ، والذين اتصلوا بكافة المذاهب الموجودة فى ذلك الوقت .
يقول الإمام إسحاق بن راهويه (قرين الإمام أحمد بن حنبل وأحد المجتهدين) : ما تكلم أحد بالرأى - وذكر الثورى ، والأوزاعى ، ومالكا ، وأبا حنيفة - إلا والشافعى أكثر اتباعا ، وأقل خطأ منه .
8-2 : مذهب الشافعى واتباعه للسنة النبوية :
لعل هذه الخصيصة من أهم خصائص مذهب الإمام الشافعى رحمه الله تعالى .
يقول الإمام أحمد : ما من أحد وضع الكتب منذ ظهرت (يعنى فى الإسلام) أتبع للسنة من الشافعى .
يقول الإمام أحمد هذا ، وقد سبق الإمام الشافعى إلى التأليف أمثال الزهرى ، ومالك ، وأبى حنيفة ، والأوزاعى ، وغيره من مصنفى العلماء .
يقول الإمام أحمد : كان الشافعى إذا ثبت عنده الخبر قلده .
يحكى الإمام الربيع بن سليمان المرادى أن الإمام الشافعى رحمه الله تعالى روى حديثا ذات يوم ، فقال له رجل : تأخذ بهذا يا أبا عبد الله . فقال الشافعى : سبحان الله ! أروى عن رسول الله e شيئا لا آخذ
به ، متى عرفت لرسول الله e حديثا ، ولم آخذ به -: فأنا أشهدكم أن عقلى قد ذهب .
ومن المشهور حرص الإمام الشافعى رحمه الله تعالى على اتباع السنة النبوية ، وتنبيهه على أصحابه ألا يتبعوه فى أى مسألة خالف فيها حديثا صحيحا لم يبلغه وبلغهم .
يقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : كل ما قلت وكان عن النبى e خلاف قولى مما يصح فحديث النبى e أولى ، ولا تقلدونى .
وكان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى يقول : كل حديث عن النبى e فهو قولى ، وإن
لم تسمعوه منى .
ومن جهة أخرى فإن الإمام الشافعى رحمه الله تعالى قد بلغ الغاية فى إتقان رواية الحديث ، وكان من أجل حفاظه حتى عد علماء الحديث أشرف الأسانيد فى الدنيا ما رواه الشافعى عن مالك عن نافع عن
ابن عمر .
8-3 : مذهب الشافعى بين مدرسة الرأى وأهل الحديث :
انقسم الفقهاء فى عصر الشافعى وما قبله إلى مدرستين : فقهاء مدرسة الرأى ، وعلى رأسها الإمام أبو حنيفة وأصحابه ، ومدرسة الحديث ، وعلى رأسها الإمام مالك وأصحابه ، وكان كل منهما يمثل مدرسة مستقلة لها علماؤها ورموزها ، ومنهجها الخاص فى استنباط الأحكام الشرعية .
وكان الجدال قد بلغ أشده بين هاتين المدرستين ، خاصة والعلوم الشرعية كانت ما زالت فى طور
النشوء ، ولما تستقر مناهجها بعد .
وقد أخذ الشافعى العلم من أئمة المدرستين معا ، وأحسن تلقيهما وفهمهما ، فأخذ عن رموز مدرسة الحديث كالإمام مالك ، ومسلم بن خالد الزنجى .
وأخذ عن رموز مدرسة الرأى كربيعة الرأى بن عبد الرحمن ، كما تلقى الشافعى مذهب الحنفية - كما تقدم - عن محمد بن الحسن صاحب الإمام أبى حنيفة ، وأنفق الشافعى على فقره مبالغ كبيرة فى تحصيل نسخ من مؤلفات الإمام محمد بن الحسن ، فلما حصلها أخذ فى تدبرها ، يقول الشافعى : ((فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثا)) ، يعنى من المسائل التى يرى الشافعى أن مخالفة للسنة النبوية .
وقد كان للشافعى دور بالغ الأهمية فى حسم الجدل الفقهى الذى كان دائرا بين هاتين المدرستين الفقهيتين السائدتين فى هذا الوقت ، حيث يسر له الجمع بين المدرستين من القيام بدوره الكبير فى حسم الجدل الدائر ، وترجيح القواعد والأصول الفقهية .
ولكن لم ينشأ الشافعى مدرسة مستقلة ، بل هو معدود من أئمة مدرسة الحديث ، ومن الممكن القول بأن دوره تمثل فى التخلص من المآخذ التى كانت تؤخذ على شيوخ الحديث ، وسد نقاط الضعف التى كانت تؤخذ عليهم ، فى نفس الوقت الذى استطاع فيه تحصيل نقاط القوة التى كان يمتاز بها أئمة مدرسة الرأى ، مع مجانبة المآخذ التى تؤخذ عليهم أيضا .
وكان الشافعى لا ينى فى الدفاع عن مدرسته الحديثية ، يقول الشافعى : قال لى محمد بن الحسن : أيهما أعلم صاحبنا أو صاحبكم . يعنى مالكا وأبا حنيفة .
قلت : على الإنصاف ؟ قال : نعم . قلت : فأنشدك الله ، من أعلم بالقرآن : صاحبنا أو صاحبكم ؟ قال : صاحبكم .
قلت : فمن أعلم بالسنة ، صاحبنا أو صاحبكم ؟ قال : اللهم صاحبكم .
قلت : فأنشدك الله : من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله e والمتقدمين : صاحبنا أو صاحبكم ؟
قال : صاحبكم .
قال الشافعى : فلم يبق إلا القياس ، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء ، فمن لم يعرف الأصول على أى شىء يقيس ؟!
وقد كان أئمة مدرسة الحديث بحاجة شديدة إلى من يقوم بهذا الدور الذى قام به الشافعى .
يقول الحميدى - وهو أحد أئمة الحديث النبوى المبرزين -: كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأى ، فلم نحسن : كيف نرد عليهم ؛ حتى جاء الشافعى ففتح لنا .
وذلك لما كان عليه شيوخ أهل الحديث فى هذه الفترة من الضعف الفقهى ، حتى كان أصحاب الرأى يسخرون من ضعف أهل الحديث فى الفقه ، وعدم قدرتهم على استنباط الأحكام مما يروونه .
يقول أبو ثور : لما ورد الشافعى العراق جاءنى حسين الكرابيسى - وكان يختلف معى إلى أصحاب الرأى - فقال : ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه ، فقم بنا : نسخر به . فقمت ، وذهبنا حتى دخلنا عليه ، فسأله الحسين عن مسألة : فلم يزل الشافعى يقول : قال الله ، وقال رسول الله e ؛ حتى أظلم علينا
البيت ، فتركتنا بدعتنا ، واتبعناه .
والإمامان أبو ثور وحسين الكرابيسى معدودان فى كبار أصحاب الإمام الشافعى الذين نقلوا
عنه المذهب .
وكما رأينا فقد كان للشافعى أثر كبير فى توجه كثير من الأئمة إلى مذهب أهل الحديث ، بعد أن كانوا من أئمة مدرسة الرأى .
يقول أبو ثور أيضا : كنت أنا وإسحاق بن راهويه ، وحسين الكرابيسى - وذكر جماعة من العراقيين - ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعى .
8-4 : مذهب الشافعى والقياس :
وقف الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فى القياس موقفا وسطا ، فلم يتشدد فيه تشدد الإمام مالك ، ولم يتوسع فيه توسع الإمام أبى حنيفة .
8-5 : بين القديم والجديد :
اشتهر أن الشافعى رجع عن مذهبه القديم إلى مذهبه الجديد لما قدم إلى مصر بسبب ما رآه بها من اختلاف العادات .
ورغم اشتهار هذا الرأى بين عموم المثقفين ، وكثير من المتخصصين إلا أنه بعيد عن الواقع بالفعل .
ولو كان الأمر كذلك لبقى أصحاب الشافعى بالعراق على مذهبه القديم لكونه أنسب لبلدهم .
والمتتبع للمسائل التى خالف فيها القديم الجديد : يجد أن البحث فيها متعلق بالترجيح من
حيث الدليل .
كما أن المسائل التى رأى فيها فقهاء الشافعية أن القديم أرجح فيها من الجديد : إنما رأوا ذلك لرجحان دليل القديم ، لا لكونهم عراقيين .
سئل الإمام أحمد : ما ترى فى كتب الشافعى التى عند العراقيين ، أحب إليك أو التى بمصر . قال : عليك بالكتب التى وضعها بمصر ؛ فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ، ولم يحكمها ، ثم رجع إلى مصر ،
فأحكم تلك .
ويقول عمرو بن سواد السرحى : قال لى الشافعى : مالك لا تكتب كتبى . فسكت . فقال له رجل : إنه يزعم أنك كتبت ، ثم غيرت . ثم كتبت ، ثم غيرت . فقال الشافعى : الآن حمى الوطيس .
يريد الشافعى : قد تعين شرح جلية الأمر ، وتحتم الكشف عن حقيقة السر ، وذلك أن المجتهد إذا ما صح الدليل لديه وجب عليه العمل بموجبه ، فإذا تبين له بعد ذلك دليل أقوى منه يدل على خلاف حكمه الأول : وجب عليه الرجوع عن الحكم الأول إلى الحكم الثانى ، فالتغيير لم ينشأ عن شك واضطراب ، بل عن بحث واجتهاد وتحرى للصواب .
8-6 : المذهب الجديد :
عن بحر بن نصر الخولانى المصرى قال : قدم الشافعى من الحجاز ، فبقى بمصر أربع سنين ، ووضع هذه الكتب فى أربع سنين ثم مات .
ويتمثل المذهب الجديد فى كتاب الأم ، وهو بحمد الله مطبوع بكامله فى عدة مجلدات .
كما أن مختصر المزنى ، والذى جمعه الإمام المزنى من كلام الإمام الشافعى يعد من كتب المذهب الجديد . وهو مطبوع مع الأم .
ومن كتب الجديد أيضا مختصر البويطى ، وهو ما زال مخطوطا .
وكتب الفقه الشافعى المتداولة اليوم تعتمد جميعها على ذكر المذهب الجديد ، مع التعرض للمذهب القديم عند اختلافه عن القديم ، وخاصة فى كتب المذهب المبسوطة .
8-7 : أسس المذهب :
1- اتباع الكتاب والسنة : تقدم بيان شدة اتباع الإمام الشافعى رحمه الله تعالى للسنة النبوية الشريفة حتى إنه قال : كل حديث عن النبى e فهو قولى ، وإن لم تسمعوه منى .
2- اتباع الحق والدليل : وهذه من أهم مميزات مذهب الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ، فما كان يحول بينه وبين اتباعه للدليل حائل من متابعة عمل أهل بلده ، أو تقليد أحد من الأئمة السابقين عليه ، فنجد مثلا الإمام مالك يرى عمل أهل المدينة حجة يأخذ بها ولا يدعه لمرويات أحد من أهل البلاد الأخرى ، ويرى أن عمل أهل المدينة هو آخر الأمر من رسول الله e . بينما كان الإمام أبو حنيفة يأخذ بما كان عليه أهله بلده بالعراق ، ولا يخالفهم .
يقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى للإمام أحمد بن حنبل : أنتم أعلم بالحديث والرجال منى ، فإذا كان الحديث صحيحا فأعلمونى -: كوفيا كان أو بصريا أو شاميا ؛ حتى أذهب إليه إن كان صحيحا .
3- الاهتمام بأقوال الصحابة : حيث كان الشافعى يرى أن أقوال الصحابة فيما اتفقوا عليه حجة أما إذا اختلف الصحابة فى مسألة فيحتاج الأمر إلى الترجيح بينهم بدليل آخر .
ويرى الشافعى أنه إذا انفرد الصحابى بقول ولم يوجد فى المسألة نص من الكتاب أو السنة أن هذا القول أولى من القياس .
وإذا كان قول الصحابى فى الأمور التى فيها مجال للاجتهاد ، فقد رأى الإمام الشافعى رحمه الله تعالى أن قول الصحابى ليس بحجة على غيره من المجتهدين .
4- الأخذ بالقياس : وقف الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فى القياس موقفا وسطا ، فلم يتشدد فيه تشدد الإمام مالك ، ولم يتوسع فيه توسع الإمام أبى حنيفة . ومع هذا فكان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى يرى للقياس أهمية كبيرة فى العملية الفقهية ، حتى جعله هو والاجتهاد بمعنى واحد ، وكان
رحمه الله تعالى يقول : الاجتهاد القياس .
5- اعتبار الأصل فى الأشياء : من الأسس التى بنى عليها الإمام الشافعى رحمه الله تعالى مذهبه فيما لم يرد فيه نص أن الأصل فى المنافع الإباحة ، والأصل فى المضار التحريم .
6- الاستصحاب : وهو عبارة عن ثبوت أمر فى الزمان الثانى بناء على ثبوته فى الزمان الأول . فإذا عرفنا حكما من الأحكام فى الزمن الماضى ، ولم يظهر لنا ما يدل على عدمه -: حكمنا الآن فى الزمان الثانى بأنه لا زال باقيا على ما كان عليه ؛ لأنه لم يظن عدمه ، وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء .
ومن ذلك مثلا أن الأصل براءة ذمة الإنسان حتى يقوم الدليل على شغلها بواجب أو حق عليه . فنستصحب هذه البراءة فيما لو اتهم إنسان بدين أو حق يتعلق بذمته ، ولا بينة عليه ، فنستصحب الأصل فى براءة ذمته .
7- الاستقراء : وهو عبارة عن تتبع أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشتمل على تلك الجزئيات ، حيث يستدل بإثبات الحكم للجزئيات بعد تتبع حالها على ثبوت الحكم لكلى تلك الجزئيات ، وبواسطة ثبوته للكلى يثبت للصورة المتنازع فى حكمها .
ومثاله الاستدلال على أن الوتر مندوب وليس بواجب بأن الوتر يؤدى على الدابة فى السفر ، وقد ثبت بتتبع أحوال النبى e أنه ما كان يصلى الفرائض على الدابة ، وإنما كان يصلى النوافل فقط ، فلما صلى الوتر على الدابة علمنا أنه مندوب ، وحملنا ما روى مما يوهم ظاهره وجوب الوتر على تأكيد الاستحباب .
1- الأخذ بأقل ما قيل : حيث يرى الإمام الشافعى رحمه الله تعالى أن نأخذ بأقل ما قيل فى المسألة ، إذا كان الأقل جزء من الأكثر ، ولم يجد دليلا غيره .
فهذا الأصل عند الإمام الشافعى يستعمله عند عدم وجود دليل آخر فى المسألة ، فيعمل به ، لأن قد حصل الإجماع الضمنى على الأقل .
ومثاله دية الذمى ، فقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال :
فقيل : إنها ثلث دية المسلم .
وقيل : إنها نصف دية المسلم ، وهو مذهب المالكية .
وقيل : إنها كدية المسلم ، وهو مذهب الحنفية .
فأخذ الإمام الشافعى رحمه الله تعالى بالثلث ، بناء على أن الثلث أقل ما قيل فى المسالة ، وهو مجمع
عليه ، لأنه مندرج ضمن قول من أوجب النصف ، أو الكل ، والأصل براءة الذمة بالنسبة لمن سيدفع الدية ، فلا يجب عليه شىء إلا بدليل ، ولا دليل يوجب الزيادة على الثلث ، وإنما أوجبنا عليه الثلث للإجماع .
فهذه هى الأدلة التى بنى عليها الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ، بالإضافة إلى ما قرره من قواعد فى استثمار الأحكام من ألفاظ النصوص الشرعية ، كقواعد العام والخاص ، والمجمل والمبين ، والمطلق
والمقيد .
وعلى الجانب الآخر فقد رفض الإمام الشافعى رحمه الله تعالى بعض الأدلة التى قال بها غيره من
الأئمة ، حيث رأى الإمام الشافعى رحمه الله تعالى أنها ضعيفة ، لا يصح الاستدلال بها .
1- فمما رده من الأدلة : المصالح المرسلة :
فقد قبل الإمام مالك المصلحة المرسلة التى لم يرد عن الشارع اعتبارها أو ألغاؤها . فمن ذلك أنه يجوز عند الإمام مالك ضرب المتهم بالسرقة حتى يقر .
ولكن رد الإمام الشافعى رحمه الله تعالى هذا الدليل ، ولم ير الأخذ به ، وتابعه على ذلك جمهور العلماء .
2- ومما رده الإمام الشافعى رحمه الله تعالى من الأدلة : الاستحسان :
فقد رأى الحنفية العمل بالاستحسان ، وهو ترجيح القياس الخفى على القياس الجلى فى بعض المسائل .
ومن ذلك تصحيح الحنفية بيع المعاطاة (بأن يأخذ المشترى بضاعته من البائع ويعطيه الثمن دون التعاقد باللفظ على ذلك) لاطراد عرف الناس وعادتهم على التعامل ، فالأعصار لا تنفك عنها ، ويغلب على الظن جريانها فى عهد النبى e ، فجاز العمل بها استحسانا .
ورد الإمام الشافعى رحمه الله تعالى المعاطاة لمخالفتها لعموم الأدلة والقياس التى توجب التعاقد فى عملية البيع ، وتشترط الإيجاب والقبول .وليس المراد بالاستحسان : التشريع تبعا للهوى واستحسانا له دون دليل شرعى ، فهذا أمر اتفق الأئمة جميعا على إبطاله ورده .
3- ومما رده الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : القول بعمل أهل المدينة :
فقد ذهب الإمام مالك إلى أن عمل أهل المدينة فيما أجمعوا عليه حجة ؛ لأنه الآخر من عمل
النبى e .
ورد الشافعى هذا الدليل ، لأن الصحابة قد انتشروا فى البلدان مع الفتوح ، وحمل كل منهم عن النبى e العلم الكثير ونشره فى البلاد ، فليس العلم بما كان الآخر من أمر النبى e مقتصرا على أهل المدينة .
4- ومن الأدلة المردودة فى مذهب الشافعى : شرع من قبلنا :
فقد ذهب بعض العلماء إلى أننا متعبدون بما صح من شرائع من قبلنا ، بطريق الوحى إلى النبى e بما فى شرعهم ، لا بطريق كتبهم المبدلة .
ولكن رد الشافعية هذا القول ، لأن الإسلام قد نسخ كل الشرائع التى قبله ، فلم يبق فيها حجة .
8-8 : أطوار المذهب الشافعى :
مر المذهب الشافعى بعدة أطوار :
أ- طور الإعداد والتكوين ، وابتدأ هذا الطور بعد وفاة الإمام مالك سنة 179 هـ ، واستمر فترة طويلة حيث استغرق حوالى ستة عشر عاما ، إلى أن قدم الإمام الشافعى إلى بغداد للمرة الثانية سنة 195 .
ب- طور الظهور للمذهب القديم : واحتلت هذه المرحلة الفترة الزمنية من وقت قدوم الشافعى بغداد المرة الثانية سنة 195 ، وحتى رحيله إلى مصر سنة 199 .
ج- طور النضج والاكتمال لمذهبه الجديد : وبدأ بقدومه إلى مصر سنة 199 ، وحتى وفاته بها
سنة 204 .
د- طور التخريج والتذييل : ابتدأ على يد أصحاب الشافعى ، من بعد وفاة الإمام الشافعى ، وامتد حتى منتصف الرن الخامس تقريبا ، وبعض الباحثين يصل به إلى القرن السابع الهجرى . وفى هذا الطور نشط الأصحاب إلى استخراج المسائل من أصول المذهب .
هـ- طور الاستقرار : حيث استقرت مدارس المذهب ، وتم الجمع بينها ، والانتهاء من الترجيح فيما اختلف فيه علماء المذهب ، ثم وضعت الكتب المختصرة فى المذهب التى تشمل على الراجح فى المذهب ، وشرح هذه المختصرات بطريقة مدرسية .
8-9 : أدوات فهم القرآن عند الشافعى :
يقول الإمام الشافعى فى الرسالة (فقرة 43: 46) : ((... فكل ما أنزل فى كتابه - جل ثناؤه - رحمة وحجة ، علمه من علمه ، وجهله من جهله ... والناس فى العلم طبقات ، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم فى العلم به . فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم فى الاستكثار من علمه ، والصبر على كل عارض دون طلبه ، وإخلاص النية لله فى استدراك علمه : نصا واستنباطا ، والرغبة إلى الله فى العون عليه ، فإنه لا يدرك الخير إلا بعونه . فإن من أدرك علم أحكام الله فى كتابه نصا ، واستدلالا ، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه فاز بالفضيلة فى دينه ، ودنياه ، وانتفت عن الريب ، ونورت فى قلبه الحكمة ، واستوجب فى الدين موضع الإمامة)) .
قال الشافعى (فقرة 48) : ((فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفى كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها)) .
وفهم القرآن عند الإمام الشافعى ينطلق - فيما نرى - من رؤيته لمفهوم البيان ، يقول رحمه الله (الرسالة 98 فقرة ) : ((... البيان فى الفرائض المنصوصة فى كتاب الله من أحد هذه الوجوه : منها ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره . ومنها ما أتى على غاية البيان فى فرضه ، وافترض طاعة رسوله e ، فبين رسول الله e عن الله كيف فرضه)) .
فمن القرآن ما لا يحتاج فى بيانه إلى غيره ، ومنه ما يحتاج فى بيانه إلى غيره .
هذا الغير قد يكون من سنة النبى e ، ولهذا فمن أول أدوات فهم القرآن الاستعانة بالسنة الشريفة ، وقد ضرب الإمام الشافعى أمثلة لذلك ، وأن السنة قد تأتى لبيان الكيفية أو الأسباب ، أو الشروط ، أو الكيفية ، أو الأعداد ، ونحو ذلك (الرسالة فقرات 73 : 95) .
ثم تناول الإمام الشافعى أداة أخرى من أدوات فهم القرآن ، وهى اللغة (انظر : الرسالة ، فقرات 104: 114) ، وبين أن فهم القرآن موكول بمعرفة لغة العرب ، وتصرفهم فى الكلام ، وضرب لذلك مثال بقوله تعالى {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} ، ثم بين أن فهم (الشطر) إنما يكون من جهة العرب ، واستدل على ذلك بشواهد شعرية ، ثم قال رحمه الله : ((وهذا كله مع غيره من أشعارهم يبين أن شطر الشىء قصد عين الشىء إذا كان مُعايَنا فبالصواب ، وإذا كان مغيبا فبالاجتهاد بالتوجه إليه ، وذلك أكثر ما يمكنه فيه)) .
وجعل العلم بالعربية شرطا للعلم بالكتاب ، بينما الجهل بها سببا للوقوع فى الشبه واللبس ؛ فيقول
رحمه الله (الرسالة فقرة 169) : ((لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب ، وكثرة وجوهه ، وجماع معانيه ، وتفرقها ، ومَنْ عَلِمَه انتفت عنه الشبه التى دخلت على من جهل لسانها)) .
ويشير الإمام الشافعى إلى إشكال هام يتعلق بالسنة واللغة ، وهو إشكال صعوبة الإحاطة بجميع السنة أو بجميع اللغة ، ولا شك أن ذلك يؤثر على فهم القرآن ، فكلما اتسع علم الرجل بهما استطاع أن
يفهم القرآن .
يقول رحمه الله (الرسالة 138 : 142) : ((ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا ... ولا نعلمه يحيط علمه إنسان غير نبى ، لكنه لا يذهب منه شىء على عامتها ، حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه . والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه ، لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شىء ، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن)) .
وقد أوجب رحمه الله تعلم لسان العرب ، وحث على ذلك حثا مؤكدا فيقول (الرسالة فقرة 168) : ((وما ازداد من العلم باللسان الذى جعله الله لسان من ختم به نبوته ، وأنزل به آخر كتبه -: كان خيرا له ، كما عليه يتعلم الصلاة والذكر فيها ، ويأتى البيت ، وما أُمر بإتيانه ، ويتوجه لما وُجّه له ... )) .
ويشير الإمام الشافعى رحمه الله إلى أن أداتى السنة النبوية واللغة العربية يكمل بعضهما بعضا ، وأنه لا بد لمن يريد فهم القرآن فهما سليما أن يراعى معا ، ويراعى العلاقات بينهما ، وأن هناك مساحات من الفهم يستقل بها كل منهما ، لا يدخل فيهما الآخر ، وأن هناك مساحة مشتركة بينهما .
أما ما تستقل به اللغة : فيشير الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 206) إلى أن من آيات القرآن ما هى واضحة بنفسها ((ليس يختلف عند العرب وضوح هذه الآيات ... لأن أقل البيان عندها كاف من أكثره ، إنما يريد السامع فهم قول القائل ، فأقل ما يفهمه به كاف عنده)) .
كما يشير إلى أن هناك آيات فى القرآن لوضوحها لم يتكلف أحد من أهل العلم أن يروى فيها من السنة ما يوضحها ، بل لا يعلم أحدا من غير أهل العلم احتاج إلى السؤال عنها ، يقول رحمه الله (الرسالة فقرة 434: 439): ((قال الله تعالى {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات} ، {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ، ثم بين أى شهر هو فقال {شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ...} قال الإمام الشافعى : فما علمت أحدا من أهل العلم بالحديث قبلنا تكلف أن يروى عن النبى e أن الشهر المفروض صومه شهر رمضان الذى بين شعبان وشوال ، لمعرفتهم بشهر رمضان من الهشور ، واكتفاء منهم بأن الله فرضه ... ، ولا علمت أحدا من غير أهل العلم احتاج فى المسألة عن شهر رمضان ، أى شهر هو ؟ ولا هل هو واجب أم لا ؟ . وهكذا ما أنزل الله من جمل فرائضه فى أن عليهم صلاة وزكاة وحجا على من أطاقه ، وتحريم الزنا والقتل ، وما أشبه هذا ...)) .
وأما ما تستقل به السنة : فربما أتت آيات كريمة لا يكتفى فيها بمحض المدلول اللغوى ولو كان متبادرا إلى الفهم العربى ، أو ربما يعطى المدلول اللغوى أكثر من احتمال لا يترجح أيا منها ، حتى تأتى السنة النبوية فتكشف عن المراد ، يقول رحمه الله (الرسالة فقرة 441: 444) : ((فمنها قول الله تعالى {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} ، فاحتمل قول الله تعالى {حتى تنكح زوجا غيره} : أن يتزوجها زوج غيره ، وكان هذا المعنى الذى يسبق إلى من خوطب به : أنها إذا عُقِدَت عليها عقدة النكاح فقد نكحت . واحتمل : حتى يصيبها زوج غيره ؛ لأن اسم (النكاح) يقع بالإصابة ، ويقع بالعقد . فلما قال رسول الله e لامرأة طلقها زوجها ثلاثا ، ونكحها بعده رجل : ((لا تحلين حتى تذوقى عسيلته ، ويذوق عسيلتك)) ، يعنى يصيبك زوج غيره ، والإصابة النكاح)) .
ومن ذلك غسل المرفقين فى الوضوء ، يقول الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 459) : ((وغسل رسول الله e فى الوضوء المرفقين والكعبين وكانت الآية محتملة أن يكونا مغسولين ، وأن يكون مغسولا إليهما ، ولا يكونان مغسولين ، ولعلهم حكوا الحديث إبانة لهذا ...)) .
ومن ذلك الزكاة يقول الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 534) : ((ولولا دلالة السنة كان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء ، وأن الزكاة فى جميعها ، لا فى بعضها دون بعض)) .
وأما المساحة المشتركة بين السنة واللغة فيقول الإمام الشافعى رحمه الله (الرسالة فقرة 448: 457) : ((قال الله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} - ثم ذكر رحمه الله صفة وضوء النبى e - ثم قال : فكان ظاهر قول الله تعالى {فاغسلوا وجوهكم} : أقل ما وقع عليه اسم الغسل ، وذلك مرة ، واحتمل أكثر ، فسن رسول الله e الوضوء
مرة ، فوافق ذلك ظاهر القرآن ، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل ، واحتمل أكثر ، وسنه مرتين وثلاثا ... وهذا ... لو ترك الحديث فيه استغنى بالكتاب ، وحين حكى الحديث فيه دل على اتباع الحديث
كتاب الله)) .
والأمثلة على هذه الأقسام الثلاثة كثيرة ، قد فصل الإمام الشافعى الكلام عليها فى الرسالة (فقرات 421: 568) .
ومما له وثيق الصلة بفهم القرآن : مراعاة السياق والسباق ، وهذه أداة من الأدوات الهامة المؤثرة فى فهم النصوص ، فقد كان من عادة العرب من مراعاة السياق والسباق ، ويترتب على ذلك الكثير من أساليبهم كإطلاق العام فيريدون عمومه تارة ، ويريدون بعضه تارة أخرى ، وإطلاق الظاهر وإرادة ظاهره تارة إلى غير ذلك مما يوضحه نص الإمام الشافعى التالى يقول رحمه الله (الرسالة 173 : 176) : ((فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرفه من معانيها ... وأن فطرته أن يخاطب بالشىء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر ، ويستغنى بأول هذا منه عن آخره ، وعاما ظاهرا يراد به العام ، ويدخله الخاص ، فيتدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه ، وعاما ظاهرا يراد به الخاص ، وظاهرا يعرف فى سياقه أنه يراد به غير ظاهره ، فكل هذا موجود علمه فى أول الكلام أو وسطه أو آخره وتبتدئ الشىء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره ، وتبتدئ الشىء يبين آخر لفظها منه عن أوله ، وتكلم بالشىء تعرفه بالمعنى ، دون الإيضاح باللفظ ، كما تعرّف الإشارة ، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد أهل علمها به ، دون أهل جهالتها ، وتسمى الشىء الواحد بالأسماء الكثيرة ، وتسمى بالاسم الواحد المعانى الكثيرة ...))
ثم عقد رحمه الله أبوابا فى بيان ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام ، ويدخله الخصوص (فقرات 179: 187) ، وبيان ما أنزل من الكتاب عام الظاهر ، وهو يجمع العام والخصوص (فقرات 188: 196) ، وبيان ما أنزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص (فقرات 197: 207) ، وبيان الصنف الذى يبين سياقه معناه (فقرات 208: 213) ، وبيان ما نزل عاما دلت السنة خاصة على أنه يراد به الخاص (فقرات 214: 235) .
ويقول رحمه الله (الرسالة فقرات 127: 130) : ((ومن جماع علم كتاب : العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب . والمعرفة بناسخ كتاب الله ومنسوخه ، والفرض فى تنزيله ، والأدب والإرشاد والإباحة ، والمعرفة بالموضع الذى وضع الله به نبيه من الإبانة عنه فيما أحكم فرضه فى كتابه ، وبينه على لسان نبيه ، وما أراد بجميع فرائضه ، ومن أراد ، ثم معرفة ما ضرب فيها من الأمثال الدوال على طاعته ، المبينة لاجتناب معصيته ، وترك الغفلة عن الحظ ، والازدياد من نوافل الفضل)) .
فأشار رحمه الله إلى أنه من أدوات فهم القرآن والعلم بالإضافة ما تقدم : معرفة الناسخ والمنسوخ ، وما يدل عليه الخطاب من الوجوب أو الندب أو الإرشاد أو الإباحة ، وهو ما يعتنى به علم أصول الفقه ، من قواعد فهم الخطاب .
فعملية البيان عملية معقدة ، متشابكة الأطراف ، يحتاج الأمر فيها إلى دربة ، وإحاطة ، وبحث ، يقول الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 420) : ((ويَعْلَم من فَهِمَ هذا الكتاب أن البيان يكون من وجوه ، لا من وجه واحد ، يجمعها أنها عند أهل العلم بينة ، ومُشْتَبِهَة البيان ، وعند من يُقَصِّر علمُه مختلفة البيان)) .
8-10 : فقه الواقع :
قال الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 1326) : ((كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم ، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة)) .
و((ما نزل بمسلم)) ما هو إلا الواقع الذى ينبغى على المسلم أن يفقهه ، ويفقه حكم الله تعالى فيه .
ففقه الواقع أحد أقطاب العملية الفقهية ، حيث لم يقتصر الفقهاء على فقه الكتاب والسنة لصحة العملية الفقهية ، بل أضافوا لهما قطبا ثالثا لا بد منه فى الممارسة الفقهية ، وهو فقه الواقع وفهمه ، حيث إن الواقع فى الحقيقة هو الذى سينزّل عليه الحكم الشرعى ، وهناك قطب رابع ، وهو تنزيل الحكم ، أو
الاجتهاد ، وهو عملية الربط بين الواقع ونص ، حيث إنه لا يوجد ارتباط عقلى بين الحكم والواقع ، بل لا بد من الاجتهاد للربط بينهما .
وإذا تأملنا مباحث الفرع والعلة من كتاب القياس فإننا سنجد أنها فى الحقيقة أسس لفقه الواقع بحثا عن وجود أو عدم وجود مناط الحكم فى الواقع الذى يبحث عن حكم الله تعالى فيه ، ولهذا فلا بد من حسن الفهم لما يطلب حكم الله تعالى فيه (الواقع) ، وسبره وتقسيمه .
ولهذا فيمكننا أن نطلق القول : أنه لن يتم قياس صحيح إلا بعد تحقق أمور منها فقه الواقع ، يقول الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 1334) : والقياس من وجهين : أحدهما أن يكون الشىء فى معنى الأصل ، فلا يختلف القياس فيه ، وأن يكون الشىء له فى الأصول أشباه ، فذلك يلحق بأولاها به ، وأكثرها شبها
فيه ، وقد يختلف القايسون فى هذا)) .
وما ((الشىء)) فى كلام الإمام الشافعى السابق إلا الواقع ، وكما هو واضح من كلامه ففقه هذا الواقع أو (الشىء) أمر لا بد منه حتى ننظر أى الأصول نقيسه عليها .
ومن ناحية أخرى فإن ما يطلق عليه الفقهاء : محل المسألة ، هو فى حقيقة الأمر وعى عميق بأحوال الواقع المختلفة ، واقع النص حين نزل أو ورد ، والواقع المعاش حين يطلب أن يفتى فيه ، وأن لكل حال أو محل : حكمٌ مختلفٌ .
فحيث ينتبه الفقيه لمحل مسألة ما حين يتناول نصا من نصوص الكتاب والسنة ، فإنه لا بد أن يكون واعيا بواقع النص حين نزل أو ورد ، وبواقعه المعاش من حيث التطابق وعدمه من واقع النص .
والنماذج من كلام الإمام الشافعى على هذا كثيرة ، يقول رحمه الله (الرسالة فقرة 812: 818) : ((... عن ابن عمر أنه كان يقول : (إن ناسا يقولون : إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ، ولا بيت
المقدس ، فقال عبد الله : لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله e على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته) . قال الشافعى : أدب رسول الله e من كان بين ظهرانيه ، وهم عرب ، لا مغتسلات
لهم ، أو لأكثرهم فى منازلهم ، فاحتمل أدبه لهم معنيين :
أحدهما : أنهم إنما كانوا يذهبون لحوائجهم فى الصحراء ، فأمرهم ألا يستقبلوا القبلة ولا
يستدبروها ، لسعة الصحراء ، ولخفة المؤنة عليهم لسعة مذاهبهم عن أن تستقبل القبلة أو تستدبر لحاجة الإنسان من غائط أو بول ، ولم يكن لهم مرفق فى استقبال القبلة ، ولا استدبارها أوسع عليهم من توقى
ذلك . وكثيرا ما يكون الذاهبون فى تلك الحال فى غير ستر عن مصلِى ، يرى عوراتهم ، مقبلين ومدبرين ، إذا استقبل القبلة ، فأمروا أن يكرموا قبلة الله ، ويستروا العورات من مصلى إن صلى حيث يراهم ، وهذا المعنى أشبه معانيه والله أعلم .
وقد يحتمل أن يكون نهاهم أن يستقبلوا ما جعل قبلة فى صحراء لغائط أو بول ، لئلا يُتغَوَّط أو يُبال فى القبلة ، فتكون قذرة بذلك ، أو من ورائها فيكون ورائها أذى للمصلين إليها ...)) ، ثم يذكر الإمام الشافعى أنه يفرق بين الصحراء والمنازل ، فيقول بالنهى فى الصحراء ، وبالرخصة فى المنازل ؛ لافتراق حال الصحراء والمنازل .
ومن ذلك أيضا ما روى عن النبى e من أحوال مختلفة فى صلاة الخوف ، فقد حملها الإمام الشافعى على اختلاف الواقع بحسب قلة العدو وكثرته ، وبعده وقربه ، وكيف يأخذ ذلك كله من آية صلاة الخوف (الرسالة فقرة 711: 736) .
وقد عقد الإمام الشافعى فصولا مطولة لبيان بعض وجوه من اختلاف الحديث ، وكيف يفقه المرء هذا الخلاف ، ويحمل كل على حاله (الرسالة فقرة 736: 846) .
وليس هذا وحسب ، بل إن فقه الواقع يحول بين المرء وبين الفهم الخطأ لنصوص الكتاب والسنة ، وليس فقط التنزيل الخطأ عند القياس . يقول الإمام الشافعى فى الاستدلال على القياس (الرسالة فقرة 1315: 1319) : ((... (أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال : إن رسول الله e قام فينا كمقامى فيكم فقال : ... ألا فمن سره بحبحة الجنة فليلزم الجماعة ...) . قال : فما معنى أمر النبى e بلزوم جماعتهم ؟ قلت : لا معنى له إلا واحد . قال : فكيف لا يحتمل إلا واحدا ؟ قلت : إذا كانت جماعتهم متفرقة فى البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين ، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار ، فلم يكن فى لزوم الأبدان معنى ؛ لأنه لا يمكن ، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا ، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى ، إلا ما عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما)) ، فإن تصور الواقع هنا وكيف يكون هو المرشد لفهم معنى لزوم الجماعة ، ومراد النبى e به .
وقد يأخذ فقه الواقع عند الإمام الشافعى صورا أعمق بكثير مما تقدم ، حيث يمثل فقه الواقع أساسا يبنى عليه الإمام الشافعى بعض اختياراته فى القواعد ، فليس فقه الواقع مجرد سبيل لتنزيل الحكم ، أو أداة لإدراك الفتوى ، أو أداة من أدوات فهم النصوص ، بل يتجازو ذلك إلى اعتباره دليلا مرجحا للقواعد الأصولية ، وليس فى مسائل فروعية .
يظهر ذلك جليا فى مواضع كثيرة من الرسالة ، ومن أجلاها كلامه على قضية المرسل : هل هو حجة أم لا ؟ ، فارقا بين مرسل كبار التابعين ، ومرسل من دونهم من التابعين ، بانيا ذلك على فهمه لواقع عمليتى التلقى والأداء ، وافتراقها فى كبار التابعين عنها فيمن دونهم من التابعين . (الرسالة فقرة 1264: 1277) . ومما قاله فى هذا الصدد : ((فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب النبى -: فلا أعلم منهم واحدا يقبل مرسله لأمور : أحدها أنهم أشد تجوزا فيمن يروون عنه . والآخر : أنهم يوجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه . والآخر : كثرة الإحالة (أى تعدد الوسائط والرواة) ، كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه)) .
سثم ينبهنا على أن الغفلة عن فقه واقع عمليتى التلقى والأداء أوقعت بعض أهل العلم فى رفض كل المراسيل ، وبينما أوقعت البعض الآخر فى قبول كل المراسيل ؛ يقول رحمه الله (الرسالة فقرة 1278: 1284) : ((وقد خبرتُ بعض من خبرتُ من أهل العلم فرأيتهم أُتُوا من خصلة وضدها : رأيت الرجل يقنع بيسير العلم ، ويريد ألا يكون مستفيدا إلا من جهة قد يتركها من مثلها أو أرجح ، فيكون من أهل التقصير فى العلم . ورأيت من عاب هذه السبيل ، ورغب فى التوسع فى العلم ، من دعاه ذلك إلى القبول عن من لو أمسك عن القبول عنه كان خيرا له . ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم ، فيقبل عن من يرد مثله ، وخيرا منه . ويدخل عليه ، فيقبل عن من يعرف ضعفه ، إذا وافق قولا يقوله ، ويرد حديث الثقة إذا خالف قولا يقوله ، ويدخل على بعضهم من جهات ، ومن نظر فى العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة فيها .
بل إننا لا نعدم مسائل فوض الشارع الأمر فيها إلى فقه الواقع وجعله هو المرجع ، ويدخل فى هذا باب الحكومات ، حيث يرجع الأمر فيه إلى الواقع .
ومن ذلك الحكم فى جزاء الصيد ، يقول الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 1394: 1395) : ((قال الله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة}(1) ، فأمرهم بالمثل ، وجعل المثل إلى عدلين يحكمان فيه ...)) ، ثم أفاض الإمام الشافعى فى بيان ذلك .
وفقه الواقع مبنى على الظاهر المؤثر فى مآخذ الأحكام ، دون الأمور الغائبة البعيدة التى لا تؤثر ، يقول الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 1421) : ((إنما كلف فى الحكم الاجتهاد على الظاهر ، دون المغيب)) .
ويقول الإمام الشافعى (الرسالة فقرة 1471 :1472) : ((ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون صحيح العقل ، وحتى يفرق بين المشتبه ، ولا يعجل بالقول به دون التثبيت)) .
فالمشتبه كما يدخل فيه ما يسمى بـ(علم الفروق) فى الفقه ، يدخل فيه أيضا المشتبه من الواقع فعلى الفقيه أن يفرق بينها أيضا قبل أن يقيس .
وهكذا نجد أن فقه الواقع ضرورة من ضرورات العملية الفقهية ، وأنه لن يفقه الرجل كل الفقه حتى يكون فقهيا بالواقع كما هو فقيه بنصوص الكتاب والسنة .
9- مصنفات الشافعى
9-1 : أهميتها :

لمؤلفات الإمام الشافعى رحمه الله تعالى أهميتها البالغة لا بالنسبة إلينا كجزء من تراثنا الفقهى ، بل لها أهميتها الراسخة منذ وضعت .
يسافر ابن وارة إلى مصر ثم يرجع إلى بغداد فيسأله أحمد : كتبت كتب الشافعى ؟ قال : لا . فقال : فرطت ما علمنا المجمل من المفصل ، ولا ناسخ حديث رسول الله e من منسوخه حتى جالسنا الشافعى . قال : ما ترى من الكتب أن أنظر فيه ليفتح لى الآثار : رأى مالك أو الثورى أو الأوزاعى . فقال أحمد : عليك بالشافعى فإنه أكثرهم صوابا . قال : فما ترى فى كتب الشافعى التى عند العراقيين ، أحب إليك أو التى بمصر . قال : عليك بالكتب التى وضعها بمصر ؛ فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ، ولم يحكمها ، ثم رجع إلى مصر ، فأحكم تلك . قال ابن وارة : فلما سمعت ذلك من أحمد عزمت على الرجوع مصر .
بل كان اعتماد الإمام أحمد فى الفقه على كتب الإمام الشافعى ، حتى قال : لم أنظر فى كتاب أحد ممن وضع كتب الفقه غير الشافعى .
وبلغ من أهمية كتب الشافعى أن الإمام إسحاق بن راهويه تزوج امرأة أرمل بمدينة مرو ، لم يتزوجها إلا لأن زوجها الأول كان عنده كتب الشافعى . وقد أثرت مصنفات الشافعى فى المؤلفين من عصره وإلى يومنا هذا ، فهذا الإمام إسحاق بن راهويه يضع جامعه الكبير على كتاب الشافعى ، ويتبع أثر الشافعى فيه .
فمما ألفه الإمام الشافعى أو جمعه أصحابه له :
1-
1- الأم (مطبوع) .
1 - جامع المزنى الكبير .
2 - جامع المزنى الصغير .
3 - مختصر المزنى (مطبوع) .
4 - مختصر الربيع .
5 - مختصر البويطى .
6 - كتاب حرملة .
7 - كتاب الحجة وهو المذهب القديم.
8 - الرسالة الجديدة (مطبوع) .
9 - الرسالة القديمة .
10 - الأمالى .
11 - الإملاء .
12 - أحكام القرآن (مطبوع) .
13 - مسند الشافعى (مطبوع) .
14 - السنن الشافعى (مطبوع) .
15 - كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبى ليلى أو كتاب اختلاف العراقيين (مطبوع) .
16 - كتاب اختلاف على وابن مسعود (مطبوع) .
17 - كتاب اختلاف مالك والشافعى
(مطبوع) .
18 - كتاب جماع العلم (مطبوع) .
19 - كتاب صفة نهى رسول الله e
(مطبوع) .
20 - كتاب إبطال الاستحسان (مطبوع) .
21 - كتاب الرد على محمد بن الحسن
(مطبوع) .
22 - كتاب سير الأوزاعى (مطبوع) .
23 - كتاب القرعة (مطبوع).
24 - كتاب اختلاف الحديث (مطبوع) .
25 - كما جمعت أشعار الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فى ديوان مستقل مطبوع عدة طبعات .
9-2 : طريقة تصنيفه :
عن بحر بن نصر الخولانى المصرى قال : وكان أقدم معه من الحجاز : كتب ابن عيينة ، وخرج إلى يحيى ابن حسان (وهو صاحب الإمام الليث بن سعد) فكتب عنه ، وأخذ كتبا من أشهب بن عبد العزيز (صاحب الإمام مالك) ، فها آثارا ، وكلام من كلام أشهب . وكان يضع الكتب بين يديه ويصنف الكتب ، فإذا ارتفع له كتاب (أى فرغ من تصنيفه) : جاءه صديق له يقال له ابن هرم ، فيكتب ، ويقرأ عليه البويطى فى كتاب ابن هرم ، وجميع من يحضر يسمع ، ثم ينسخونه بعد ، وكان الربيع على حوائج الشافعى (يقوم بقضائها وتحصيلها له) ، فربما غاب فى حاجة فيعلم له الشافعى ، فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته .
9-3 : دقتها العلمية :
حرص الشافعى فى تصانيفه أن لا يذكر الكلام مرسلا بل مؤيدا بالدليل ، والحجة .
وكان رحمه الله تعالى يحط من شأن من لا يسألون عن الحجة ، أو يكتبون العلم دون فهم ، ويحدثون عن كل أحد دون تحرى الصادق من الرواة ، ويقول : هذا مثل حاطب ليل ، يقطع حزمة الحطب ،
فيحملها ، ولعل فيه أفعى تلدغه ، وهو لا يدرى .
10- النشاط العلمى للإمام الشافعى
قال الشافعى : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة .
10-1 : مجالسه العلمية :
كان للإمام الشافعى مجلس علمى بالحرم المكى ، وقد عقد هذا المجلس مبكرا فى حياة شيوخه ، وفى الوقت الذى كان أقرانه ومن قاربه فى السن ما زالوا فى دور طلب العلم . وقد تقدم فى قصة الإمام أحمد والإمام الحميدى مع الشافعى رحمة الله على الجميع ، ما يوضح لنا هذه القضية .
أما مجالسه فى مصر فيحكى لنا عنها صاحبه الربيع بن سليمان فيقول : كان الشافعى رحمه الله تعالى يجلس فى حلقته إذا صلى الصبح ، فيجيئه أهل القرآن ، فإذا طلعت الشمس قاموا ، وجاء أهل الحديث فيسألونه فى تفسيره ومعانيه ، فإذا ارتفعت الشمس قاموا ، فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر ، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا ، وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر ، فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار ، ثم ينصرف رحمه الله تعالى .
10-2 : حبه للتصنيف :
كان للإمام الشافعى تعلق فكرى عجيب بالعلم ومسائله ، فلا يزال ذهنه متفكرا فى المسائل ، حتى ربما يعرض له المعنى اللطيف ليلا فيأمر بالمصباح فيوقد ليسارع بكتابة ما ظهر له خشية أن ينساه .
يقول الحميدى : خرجت مع الشافعى إلى مصر ، وكان هو ساكنا فى العلو ، ونحن فى الأوساط ، فربما خرجت فى بعض الليل ، فأرى المصباح ؛ فأصيح بالغلام - يعنى الخادم - فيسمع الشافعى صوتى
فيقول : بحقى عليه ارق ، فأرقى ، فإذا قرطاس ودواة ؛ فأقول : مه ؛ يا أبا عبد الله . فيقول : تفكرت فى معنى حديث - أو فى مسألة - فخفت أن يذهب على ، فأمرت بالمصباح وكتبته .
وكان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى يقسم ليله ثلاثة أثلاث ، فى الأول يكتب ، وفى الثانى ينام ، وفى الثالث يصلى .
10-3 : مناظراته :
للشافعى مناظرات ممتعة ، تظهر فيها قدرات الشافعى العقلية ، والعلمية ، كما تظهر حبه للإنصاف .
يقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ ، وما فى قلبى من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ، ولا ينسب إلى .
ويحلف الشافعى يوما ويقول : ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة .
ولكن كان الشافعى مدركا لمنزلته العلمية تمام الإدراك ، لا يظلم نفسه ، ولا يضعها فى غير منزلتها ، فما كان يقبل مناظرة أى أحد ، ويشترط أن يكون مناظره قربيا منه فى الدرجة العلمية .
قال له الفضل بن الربيع حاجب هارون الرشيد : أحب أن أسمع مناظرتك للحسن بن زياد اللؤلؤى .
قال الشافعى : ليس اللؤلؤى فى هذا الحد ، ولكن أحضر بعض أصحابى ، حتى يكلمه بحضرتك .
فقال : أو ذاك .
فحضر الشافعى ، وأحضر معه رجلا من أصحابه كوفيا كان ينتحل قول أبى حنيفة وصار من
أصحابه . فلما دخل اللؤلؤى أقبل الكوفى عليه ، والشافعى حاضر بحضرة الفضل بن الربيع ، فقال له : إن أهل المدينة ينكرون على أصحابنا بعض قولهم ، وأريد أن أسأل عن مسألة من ذلك .
فقال اللؤلؤى : سل .
فقال له : ما تقول فى رجل قذف محصنة ، وهو فى الصلاة ؟
قال اللؤلؤى : صلاته فاسدة .
فقال له : فما حال طهارته ؟
فقال اللؤلؤى : طهارته بحالها ، ولا ينقض قذفه طهارته .
فقال له : فما تقول إن ضحك فى صلاته ؟
قال اللؤلؤى : يعيد الطهارة والصلاة .
فقال له : فقذف المحصنة فى الصلاة أيسر من الضحك فيها ؟
فقال اللؤلؤى : وقفنا فى هذا ، ثم وثب فمضى . فاستضحك الفضل بن الربيع . فقال له الشافعى : ألم أقل لك إنه ليس فى هذا الحد .
من مناظرته اللطيفة أنه قال لعمرو بن سواد السرحى : ما أعطى نبيا ما أعطى محمدا e .
قال عمرو : أعطى عيسى إحياء الموتى .
فقال الشافعى : أعطى محمدا حنين الجذع الذى كان يقف يخطب إلى جنبه ؛ حتى هيئ له المنبر ، فلما هيئ له المنبر حن الجذع ،حتى سمع صوته ؛ هذا أكبر من ذلك .
11- صفاته
11-1 : تكوينه النفسى :

1- قرشيته : لعل من أول المؤثرات فى تكوين شخصية الإمام الشافعى كونه من قريش ، وقد رأينا كيف أن قريشته هى التى دفعت بوالدته كى ترحل به مبكرا إلى مكة كى ينشأ فى وسط أقرانه من قريش على ذات الصفات والأخلاق والوسط الاجتماعى . وهى مسألة على جانب كبير من الأهمية ، خاصة إذا علمنا وضع قريش الاجتماعى والثقافى والسياسى والاقتصادى قبل الإسلام ، ثم تعضد هذا الوضع وامتداده بعد الإسلام بخروج النبى e من قريش ، ثم توالى الخلفاء الراشدون ثم الدولة الأموية ، ثم الدولة العباسية ، وجميعهم ينتسبون إلى أرقى بيوتات قريش وأقواها .
ولا ريب أن من كان هذا نسبه فإنه يؤثر فى تكوينه الشخصى تأثيرا لا ينكر .
ومن الطبيعى أن القريشيين كانوا محل حسد وغيرة بسبب مكانتهم الاجتماعية المتميزة . يحكى لنا الحميدى عن نفسه ما يوضح لنا ذلك ، فى قصة طريفة عن أول مجلس حضره للإمام الشافعى رحمه الله
تعالى ؛ يقول الحميدى : جلسنا إلى الشافعى ، ودارت مسائل ، فلما قمنا قال لى أحمد بن حنبل : كيف رأيت فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه ، وكان ذلك منى بالقرشية (يعنى من الحسد) . فقال لى أحمد بن
حنبل : فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة ، وهذا البيان ، تمر مائة مسألة يخطئ خمسا أو عشرا ؛ اترك ما أخطأ ، وخذ ما أصاب .
يقول الربيع بن سليمان : كان الشافعى عربى النفس عربى اللسان .
وكانت قرشية الشافعى أحد دعائم تكوينه النفسى ، ناظر ذات يوم محمد بن الحسن فغلبه ، بحضور هرثمة ابن أعين أحد خواص قواد هارون الرشيد ، فكتب هرثمة الخبر ، ودخل به على هارون الرشيد ، فقال : أكان يأمن محمد بن الحسن أن يقطعه رجل من بنى عبد مناف ؟! فاخرج إلى الشافعى وأقرئه سلامى ، وقل
له : إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسة آلاف دينار ، وعجلها لك من بيت مال الحضرة . قال الشافعى : فخرج هرثمة ، وأقرأنى سلامه ، وقال : إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسة آلاف دينار . وقال هرثمة : لولا أن أمير المؤمنين لا يساوى ؛ لأمرت لك بمثلها ، ولكن الق غلامى فاقبض منه أربعة آلاف دينار . فقال الشافعى : جزاك الله خيرا ، لولا أنى لا أقبل جائزة إلا ممن هو فوقى لقبلت جائزتك ، ولكن عجل لى ما أمر به أمير المؤمنين .
فانظر كيف امتنع الشافعى رحمه الله تعالى من قبول جائزة هرثمة بسبب قرشيته ، وحيث لم يكن هرثمة من قريش ، وقبلها من هارون الرشيد لكونه أعلى نسبا منه .
2- الجماعة العلمية : للجماعة العلمية أثر كبير فى تكوين المنتسب إليها ، ولا يقتصر الأثر على الجانب العلمى وحده ، بل يمتد ليشمل كافة الجوانب الأخرى وخاصة الأخلاقية التى تمتاز بها الجماعة . وإذا نظرنا إلى الجماعة العلمية فى عصر الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فسنجد الكثير من الصفات والميزات العامة التى تركت أثرها الكبير فى شخصية الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ، ولا شك أن هناك الكثير من المواقف الحياتية التى عبرت من خلالها تلك الجماعة عن شخصيتها .
ولقد حكى لنا الإمام الشافعى رحمه الله تعالى نفسه العديد من تلك المواقف ، وحكايته لها دليل على تأثيرها فيه ، حتى إنه اعتنى بحكايتها وروايتها لتلاميذه .
فمن ذلك ما رواه الشافعى قال : حدثنى عمى محمد بن على قال : إنى لحاضر مجلس أمير المؤمنين أبى جعفر المنصور ، وفيه ابن أبى ذئب (وهو أحد حفاظ الحديث البارزين) والحسن بن زيد والى المدينة ، فأتى الغفاريون (قبيلة من العرب منها أبو ذر الغفارى رضى الله عنه) فشكوا إليه شيئا من أمر الحسن . فقال : يا أمير المؤمنين ، سل فيهم ابن أبى ذئب ؛ فسأله ؛ فقال : أشهد أنهم أهل تحكم فى أعراض المسلمين ، كثيرو الأذى لهم . فقال أبو جعفر : قد سمعتم . فقالوا : سله عن الحسن . فقال : ما تقول فيه ؟ فقال : أشهد أنه : يحكم بغير الحق ، ويتبع هواه . قال محمد : فجمعت ثيابى ، والسياف قائم على رأس أبى جعفر مخافة أن يأمر به فيقتل ، فيصيب دمه ثوبى . فقال أبو جعفر : قد سمعت يا حسن ما قاله . فقال : سله عن نفسك . فقال أبو جعفر لابن أبى ذئب : فما تقول فىّ ؟ قال : أو يعفينى أمير المؤمنين . فقال : والله لتخبرنى . فقال : أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه ، وجعلته فى غير أهله . فجاء أبو جعفر من موضعه ؛ حتى وضع يده فى قفاه . قال محمد : فجمعت ثيابى مخافة أن يأمر به ، فيصيب دمه ثوبى . ثم قال أبو جعفر : أما والله لولا أنا لأخذت أبناء فارس والروم والترك والديلم بهذا المكان منك . فقال : قد ولى أبو بكر وعمر : فأخذا بالحق ، وقسما بالسوية ، وأخذا بأقفاء فارس والروم ، وأصغرا آنافهم . فخلى أبو جعفر قفاه ، وأطلق
سبيله ، وقال : والله لولا أعلم أنك صادق لقتلتك . فقال ابن أبى ذئب لأبى جعفر : أنا والله أنصح لك من المهدى (يعنى ابنه) .
ويروى الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : أن محمد بن عجلان (أحد كبار رواة الحديث) كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . قال : فخطب والى المدينة يوما فأطال الخطبة ، فما نزل وصلى : صاح به ابن عجلان فقال : يا هذا اتق الله : تطيل بيانك وكلامك على منبر رسول الله e . فأمر به فحبس . فأُخبر ابن أبى ذئب ، فدخل على الوالى ، وقال : حبستَ ابن عجلان !؟ فقال : ما يكفيه أنه يأمرنا فيما بيننا
وبينه ، فنصير إلى ما يأمرنا ؛ حتى يصيح بنا على رؤوس الناس ؛ فنستضعف . فقال ابن أبى ذئب : ابن عجلان أحمق أحمق ؛ هو يراك تأكل الحرام وتلبس الحرام (يعنى ولا ينهاك عن ذلك) ، ويقول : لا تطيل بيانك وكلامك على منبر رسول الله e . فقال الوالى : أخرجوا ابن عجلان ما عليه من سبيل .
ويحكى الإمام الشافعى رحمه الله تعالى عن سفيان الثورى أنه دخل على أمير المؤمنين ، فجعل يتجانّ
عليهم ، ويمسح البساط ، ويقول : ما أحسنه ، ما أحسنه ، بكم أخذتم هذا . ثم قال : البول البول ، حتى أخرج .
فالإمام الثورى كان لا يحب الدخول على السلطان ، فأراد أن يحتال بما فعل ليعتقدوا فيه الجنون ، فيزهدوا فيه ، ويتباعد عنهم .
ويقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : سمعت مالك بن أنس يقول : سمعت ابن عجلان يقول : إذا أغفل العالم (لا أدرى) -: أصيبت مقاتله .
ويحكى الشافعى موقفا من مواقف الجود الذى كان من أخص صفاته ، فيقول : عاتب رجاءُ بن حيوة الزهرىَّ فى الإنفاق والدَّين (وكان الزهرى يستدين لينفق على أصحابه ، وينفق فى وجوه البر) فقال : لا تأمن من أن يمسك عنك هؤلاء القوم ؛ فتكون قد حملت على أمانتك ، فوعده أن يقصر . فمر به رجاء بن حيوة يوما وقد وضع الطعام ، ونصب موائد العسل . فقال له رجاء : هذا الذى افترقنا عليه ؟ فقال له الزهرى : انزل ؛ فإن السخى لا تؤدبه التجارب .
11-2 : بيان بعض من صفاته رحمه الله تعالى :
1- علو الهمة : كان الإمام الشافعى عالى الهمة إلى الغاية منها .
فمن ذلك ما يحكيه الحميدى - وقد سبق ذكره-: خرجت مع الشافعى إلى مصر ، وكان هو ساكنا فى العلو ، ونحن فى الأوساط ، فربما خرجت فى بعض الليل ، فأرى المصباح ؛ فأصيح بالغلام - يعنى الخادم - فيسمع الشافعى صوتى فيقول : بحقى عليه ارق ، فأرقى ، فإذا قرطاس ودواة ؛ فأقول : مه ؛ يا أبا
عبد الله . فيقول : تفكرت فى معنى حديث - أو فى مسألة - فخفت أن يذهب على ، فأمرت بالمصباح وكتبته .
2- لطفه بأصحابه :
كان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى لطيفا بأصحابه رقيق الحاشية ، وكان لأصحابه تعلق كبير به ، يرحلون معه إذا رحل ويسكن كثير منهم حوله وبالقرب منهم ، حتى لا يفوتهم منه شيئا . وفيما حكاه لنا الحميدى فى النقطة السابقة ما يوضح لنا طرفا من ذلك .
3- صلاحه وحبه للصالحين :
كان الشافعى من كبار الصالحين والعباد ، لا يترك قيام الليل ، فكان يقسم ليله ثلاثا ، ثلث يصلى ، وثلث يؤلف ، وثلث ينام .
وكان له مع صالحى أهل زمانه ود وأنس .
أرسل يوما تلميذه حرملة إلى إدريس بن يحيى العابد تلميذ مالك والمتوفى بمصر سنة (211) ، وقال لحرملة : قل له يدعو الله لى .
4- عبادته :
كان الشافعى رحمه الله تعالى كثير العبادة محبا للصلاة ، وتلاوة القرآن ، وقيام الليل . يحدثنا الربيع بن سليمان المرادى عن صلاة شيخه الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فى رمضان فيقول : كان الشافعى يختم القرآن فى شهر رمضان ستين مرة ، كل ذلك فى صلاة .
يقول الإمام الحسين الكرابيسى : بت مع الشافعى ثمانين ليلة ، وكان يصلى نحو ثلث الليل ، فما رأيته يزيد على الخمسين آية ، فإذا كثر فمائة ، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله تعالى لنفسه ، وللمؤمنين أجمعين ، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ بالله منها ، وسأل النجاة لنفسه ولجميع المؤمنين ، وكان جُمِعَ فيه الخوف والرجاء معا .
5- ورعه :
أراد الشافعى الخروج إلى مكة ، فأسلم إلى قصار (يعنى : خياط) ثيابا بغدادية مرتفعة الثمن ، فوقع حريق ، فاحترق دكان القصار والثياب ، فجاء القصار ومعه قوم يتحمل بهم على الشافعى فى تأخيره ليدفع إليه قيمة الثياب . فقال له الشافعى : قد اختلف أهل العلم فى تضمين القصار ، ولم أتبين أن الضمان يجب ، فلست أضمنك شيئا .
ودخل الإمام الشافعى رحمه الله تعالى يوما على خادم للرشيد وهو فى بيت قد فرش بالديباج ، فلما وضع الشافعى رجله على العتبة أبصره ، فرجع ولم يدخل . فقال له الخادم : ادخل . فقال الشافعى : لا يحل افتراش هذا .
6- تواضعه :
كان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى متواضعا ، لا يحب الشهرة ، ولا يحب الثناء على ما كان معه من العلم ، على رغم ما كان فيه من الشهرة الواسعة .
يقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس : أوجر عليه ، ولا يحمدونى .
ويقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ ، وما فى قلبى من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ، ولا ينسب إلى .
ويقول الإمام الشافعى رحمه الله تعالى للإمام أحمد بن حنبل : أنتم أعلم بالحديث والرجال منى ، فإذا كان الحديث صحيحا فأعلمونى .
ومع هذا فيقول الإمام أحمد : ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه .
ومع تواضع الشافعى فإنه ما كان يريق وجهه لكل أحد ، وقد تقدم رفضه قبول جائزة
هرثمة بن أعين .
كما كان الشافعى مدركا لمنزلته العلمية تمام الإدراك ، لا يظلم نفسه ، ولا يضعها فى غير منزلتها ، وقد ذكرنا فى مناظرات الشافعى أنه ما كان يقبل مناظرة أى أحد ، ويشترط أن يكون مناظره نظير له فى الدرجة العلمية .
7- هيبته :
كانت للشافعى هيبة ، دخلت البيت ذات يوم مرضعة لبعض أهله ، معها طفل لها ، وكان الشافعى نائما وقت القيلولة ، فبكى الصبى ، فخافت أن يستيقظ الشافعى ، وكانت له هيبة فوضعت يدها على فم الصبى وخرجت مبادرة ، وكان الباب بعيدا ، فلم تبلغ الباب حتى اضطرب الصبى . فما استيقظ الشافعى قال له بعض أهله يمزحون معه : ويحك يا ابن إدريس كدت تقتل اليوم نفسا . فاحمارّ وانتفخ وجعل يقول : وكيف ذلك . فأخبروه بالخبر ، فحلف أن لا يقيل مدة طويلة إلا والرحى عند رأسه تطحن ، وكان إذا أراد أن يقيل جىء بالرحى حتى تطحن عند رأسه .
8- جوده :
كان الشافعى رحمه الله تعالى من أجواد الناس ، يكاد لا يمسك شيئا من كرمه وجوده ، وله فى الجود مواقف كثيرة .
دخل عليه رسول من هارون الرشيد وقال : قد أمر لك بخمسة آلاف دينار . فحمل إليه المال ، فدعا الشافعى بالحجام ، فأخذ من شعره ، وأعطاه خمسين دينارا . ثم أخذ رقاعا ، وصَرَّ من تلك الدنانير صُرراً ، ففرقها فى القرشيين الذين هم بالحضرة ، ومن هم بمكة ، حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من
مائة دينار .
يحكى أبو ثور أن الشافعى أراد الخروج إلى مكة ، ومعه مال ، فقلت له - وقلما كان يمسك الشىء من سماحته -: ينبغى أن تشترى بهذا المال ضيعة تكون لك ولولدك من بعدك . فخرج ، ثم قدم علينا فسألته عن ذلك المال : ما فعل به . فقال : ما وجدت بمكة ضيعة يمكننى أن أشتريها ؛ لمعرفتى بأصلها : أكثرها قد وقفت على البيت الحرام ، ولكن قد بسطنا مضربا بمنى يكون لأصحابنا إذا حجوا ينزلون فيه .
ويقول الربيع بن سليمان : تزوجت فسألنى الشافعى : كم أصدقتها ؟ فقلت : ثلاثين دينارا . فقال : كم أعطيتها ؟ قلت : ستة دنانير فصعد داره ، وأرسل إلى بصُرة فيها أربعة وعشرون دينارا .
ويقول محمد بن عبد الله بن الحكم : كان الشافعى أسخى الناس بما يجد ، وكان يمر بنا ، فإن
وجدنى ، وإلا قال : قولى لمحمد - إذا جاء - يأتى المنزل ؛ فإنى لست أتغدى حتى يجىء .
ويقول عمرو بن سواد السرحى : كان الشافعى أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام . وقال لى الشافعى : أفلست فى عمرى ثلاث إفلاسات ، فكنت أبيع قليلى وكثيرى ، حتى حلى ابنتى وزوجتى ، ولم أرهن قط .
9- تقلله من المطعم والمشرب :
يقول الشافعى رحمه الله تعالى : ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة ، اطرحتها ؛ لأن الشبع يثقل البدن ، ويقسى القلب ، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة .
10- فراسته وذكاؤه :
كان الشافعى على درجة عالية من الفراسة والذكاء ، ودقة الملاحظة لما حوله .
كان يقول : إذا رأيتم الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهدوا له بالصحة .
وذلك لأن من نسخ كتابا فلا بد من أن يخطىء فيه ، فإذا راجعه واكتشف خطأه أصلحه وألحق ما فاته بالهامش ، وأما من لم يرجع فيأتى كتابه خاليا من الإصلاح والإلحاق ، فيبقى خطأه على حاله ، وهذا من ذكاء الشافعى وحسن إدراكه للواقع ، وصحة تصوره للأمور .
وكان الشافعى رحمه الله تعالى ولعا بالفراسة ، وكتبها ، ويحكى عن نفسه فيقول : خرجت إلى اليمن فى طلب كتب الفراسة ، حتى كتبتها وجمعتها ، ثم لما حان انصرافى مررت على رجل فى طريقى ، وهو محتب بفناء داره : أزرق العينين ، ناتئ الجبهة ، سناط (أى لا لحية له) فقلت له : هل من منزل ؟ فقال :
نعم . قال الشافعى : وهذا النعت أخبث ما يكون فى الفراسة . فأنزلنى ، فرأيت أكرم رجل : بعث إلى بعشاء وطيب ، وعلف لدابتى ، وفراش ولحاف . فجعلت أتقلب الليل أجمع ، ما أصنع بهذه الكتب ؛ إذ رأيت هذا النعت فى هذا الرجل ، فرأيت أكرم رجل ، فقلت : أرمى بهذه الكتب . فلما أصبحت قلت للغلام : أسرج أسرج ، فركبت ، ومررت عليه ، وقلت له : إذا قدمت مكة ، ومررت بذى طوى فسل عن منزل محمد بن إدريس الشافعى . فقال لى الرجل : أمولى لأبيك أنا . قلت : لا . قال : فهل لك عندى من نعمة ؟ قلت : لا . فقال : أين ما تكلفت لك البارحة . قلت : وما هو . قال : اشتريت لك طعام
بدرهمين ، وإداما بكذا ، عطرا بثلاثة دراهم ، وعلفا لدابتك بدرهمين ، وكراء الفراش واللحاف درهمان . قلت : يا غلام أعطه ، فهل بقى من شىء . قال : كراء المنزل ، فإنى وسعت عليك ، وضيقت على نفسى . قال الشافعى : فغبطت نفسى بتلك الكتب ، فقلت له بعد ذلك : هل بقى من شىء . قال : امض
أخزاك الله ، فما رأيت قط شرا منك .
وكان الشافعى يقول : إذا أردت أن تعرف الرجل : أكاتب هو ، فانظر أين يضع دواته ، فإن وضعها عن شماله أو بين يديه فاعلم أنه ليس بكاتب .
يعنى أنه ليس بكاتب محترف ، لأنه وضع دواة الحبر بعيدا عن يده اليمنى ، فيكون أشق عليه ، وأبعد فربما سقط الحبر من الريشة أثناء هذه المسافة ، كما أنه ربما أصاب بيده اليسرى الدواة فقلبها ، وإذا وضع الدواة أمام الكتاب بين يديه ربما تزحزح الكتاب أثناء عملية الكتابة فقلب الدواة ، كما أن الدواة تلقى بظلها على الكتاب فتحجب الضوء عنه إذا وضعها أمام الكتاب ؛ ولهذا فإن أفضل موضع للدواة أن تكون عن يمين الكاتب .
11- شغفه بدراسة المجتمع من حوله :
كان الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ولعا بدراسة الظواهر الاجتماعية من حوله ، دائما السعى لفهم شخصيات المجتمع ونماذجه ، وله فى ذلك مواقف كثيرة .
فمن ذلك قوله : احذر الأعور والأحول والأعرج والأحدب والأشقر والكوسج وكل من به عاهة فى بدنه ، وكل ناقص الخَلق ؛ فإنه صاحب التواء ومعاملته عسرة .
ويقول : ما رأيت سمينا عاقلا قط إلا رجلا واحدا . يريد محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة فقد كان سمينا . ويقول : ما أفلح سمين قط ، إلا أن يكون محمد بن الحسن . قيل له : ولم ؟ قال : لأن العاقل لا يخلو من إحدى خلتين : إما أن يغتم لآخرته ومعاده ، أو يغتم لدنياه ومعاشه . والشحم مع الغم لا ينعقد ، فإذا خلا من المعنيين صار فى حد البهائم ، فينعقد الشحم .
ويلاحظ الشافعى أثر زواج الأقارب على ضعف النسل فيقول : ليس قوم لا يخرجون نساءهم إلى رجال غيرهم فى التزويج ، ولا رجالهم إلى نساء غيرهم فى التزويج إلا جاء أولادهم حمقى .
12- فصاحته :
كان الشافعى من أفصح الناس ، وأعلم بلغات العرب ، حتى عدوه ممن تؤخذ عنه اللغة .
وقد خرج الشافعى -كما يحكى عن نفسه- إلى قبيلة هذيل بالبادية ، ليتعلم كلامها ، ويأخذ طبعها العربى ، وكانت أفصح العرب .
يقول ابن هشام صاحب المغازى وكان بصيرا بالعربية : الشافعى ممن تؤخذ عنه اللغة .
ويقول الإمام أحمد : كان الشافعى من أفصح الناس ، وكان مالك يعجبه قراءته ؛ لأنه
كان فصيحا .
ويقول أبو عبيد القاسم بن سلام (أحد كبار الأئمة) : كان الشافعى ممن يؤخذ عنه اللغة .
ويقول أحمد بن أبى سريج : ما رأيت أحدا أفوه ، ولا أنطق من الشافعى .
ويقول الجاحظ : نظرت فى كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا فى العلم ، فلم أر أحسن تأليفا من المطلبى ، كأن كلامه ينظم درا إلى در .
وكان الشافعى يقول : أصحاب العربية جن الإنس يبصرون ما لا يبصر غيرهم .
يعنى أنهم يفهمون من أسرار النصوص القرآنية والنبوية ما لا يفهم غيرهم لمعرفتهم بأسرار اللغة العربية ودقائقها .
12- مواعظه وحكمه وشعره :
للشافعى مواعظ بالغة ، وأشعار رقيقة تدل على ما كان ينطوى عليه قلبه من الصلاح والتقوى ، وعلى ما كان يمتاز به من العقل والحكمة .
فمن ذلك أنه حضر ميتا يوما ، فلما سُجِّى عليه ، نظر إليه فقال : اللهم بغناك عنه ، وفقره
إليك اغفر له .
وعاتب الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ابنه يوما ، وكان فيما قال له فوعظه به : يا بنى والله لو علمت أن الماء البارد يثلم من مروءتى شيئا -: ما شربت إلا حارا .
وقال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى : إن للعقل حدا ينتهى إليه ، كما أن للبصر حدا ينتهى إليه .
وقال رحمه الله تعالى : سياسة الناس أشد من سياسة الدواب .
وقال رحمه الله تعالى : اعلم أنه ليس إلى السلامة من الناس سبيل ، فانظر الذى فيه صلاحك فالزمه .
وقال رحمه الله تعالى : لا تسكنن بلدا لا يكون فيه عالم يفتيك عن دينك ، ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك .
وأنشد الشافعى :
ولا تعطين الرأى من لا يريده
فلا أنت محمود ، ولا الرأى نافعه
وأنشد الإمام الشافعى :
كل العدواة قد ترجى مودتها
إلا عدواة من عاداك من حسد
وقد جمع شعر الشافعى فى ديوان مفرد ، وعامة شعره فى الحكم ، والوعظ ، وتجارب الحياة .
13- هواياته
يقول الإمام الشافعى عن نفسه : كانت نهمتى فى شيئين : فى الرمى ، وطلب العلم ، فنلت من الرمى حتى كنت أصيب من عشرة عشرة .
14- وفاته رحمه الله
14-1 : مرض الوفاة :

مرض الإمام الشافعى رحمه الله تعالى مرض شديدا ، وكان علته بالبواسير ، فاشتدت عليه علته .
ويحكى تلميذه يونس بن عبد الأعلى : ما رأينا أحدا لقى من السقم ما لقى الشافعى ، فدخلت عليه فقال لى : يا أبا موسى اقرأ على ما بعد العشرين والمائة من آل عمران ، وأخف القراءة ، ولا تثقل ، فقرأت عليه ، فلما أردت القيام . قال : لا تغفل عنى ، فإنى مكروب .
وذكر الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ما وضع من كتبه فى مرضه فقال : لوددت أن الخلق تعلمه ، ولم ينسب إلى منه شىء أبدا .
ويقول المزنى : دخلت على الشافعى فى مرضه الذى مات فيه . فقلت : كيف أصبحت يا أستاذ ؟ فقال : أصبحت من الدنيا راحلا ، ولأخوانى مفارقا ، ولكأس المنية شاربا ، وعلى الله واردا ، ولسوء عملى ملاقيا ، فوالله ما أدرى أروحى تصير إلى الجنة ، أو إلى النار ، فأعزيها . ثم رمى بطرفه إلى السماء ، واستعبر وأنشد :
إليك إله الخلق أرفع رغبتى
وإن كنت يا ذا المن والجود مجرما
تعاظمنى ذنبى فلما قرنته
بعفوك ربى كان عفوك أعظما
ولما قسا قلبى وضاقت مذاهبى
جعلت رجائى نحو عفوك سلما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل
تجود وتعفو منة وتكرما
فلولاك لم يقدر بإبليس عابد
فكيف وقد أغوى صفيك آدما
يقول الربيع بن سليمان : لما كان مع المغرب ليلة مات الشافعى قال له ابن عمه : ننزل حتى نصلى . فقال : تجلسون تنتظرون خروج نفسى ؟! فنزلنا ، ثم صعدنا ، فقلنا له : صليت أصلحك الله ؟ قال : نعم . وتوفى رحمه الله تعالى مع العشاء الآخرة .
14-2 : وفاته :
توفى رحمه الله كما يحكى تلميذه الربيع بن سليمان : ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة بعد ما صلى
المغرب ، آخر يوم من رجب ، ودفناه يوم الجمعة ، فانصرفوا ، فرأوا هلال شعبان سنة أربع ومائتين . فيكون رحمه الله قد عاش أربعا وخمسين سنة .
(
لمزيد من المعلومات عن الإمام الشافعى رحمه الله تعالى راجع الكتب المؤلفة عنه ، ومنها(2) :
1- آداب الشافعى ومناقبه للإمام عبد الرحمن بن أبى حاتم ، تحقيق الشيخ عبد الغنى عبد الخالق ، مصورة دار الكتب العلمية ببيروت ، على الطبعة الأولى سنة 1953 ، د ن .
2- رحلة الشافعى ، رواية تلميذه الربيع بن سليمان الجيزى ، مط السلفية ، 1350 .
3- مناقب الشافعى ، للبيهقى ، تحقيق السيد أحمد صقر ، ط1 ، 1391/1971 ، دار التراث .
4- مناقب الشافعى ، للإمام فخر الدين الرازى ، ط المكتبة العلامية ، 1279 هـ .
5- مناقب الشافعى ، للحافظ ابن كثير ، تحقيق خليل إبراهيم ملا خاطر ، ط مكتبة الإمام الشافعى ـ الرياض ، ط 1 ، 1412/1992 .
6- توالى التأسيس بمعالى ابن إدريس ، للإمام ابن حجر العسقلانى ، مط الأميرية ببولاق ، الأولى ، 1301 هـ .
7- الشافعى ، حياته وعصره - آراؤه وفقهه ، للشيخ محمد أبو زهرة ، دار الفكر العربى ، ط2 ، 1367/1948 .
8- الإمام الشافعى ناصر السنة وواضع الأصول ، لعبد الحليم الجندى ، دار الكتاب العربى ، 1967 .
9- الإمام الشافعى فى مذهبيه القديم والجديد ، للدكتور أحمد نحرواى عبد السلام الإندونيسى ، نشر المؤلف ، ط مكتبة الشباب ، 1408/1988 .
كما أن للإمام الشافعى رحمه الله تعالى تراجم موسعة فى كتب التاريخ المشهورة راجع على سبيل المثال :
10- الأنساب للسمعانى ، 7/251: 256 . تحقيق الأستاذ محمد عوامة ، نشر محمد أمين دمج ، بيروت ، ط1، 1396/1976 .
11- البداية والنهاية ، لابن كثير ، 10/251: 254 ، مكتبة المعارف ، بيروت ، ومكتبة النصر بالرياض ، ط1، 1966 .
12- التاريخ الكبير ، للبخارى ، 1/1/42 ، ط الهند .
13- تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادى ، 2/57: 73 ، مصورة دار الكتاب العربى ،
بيروت ، دت .
14- تذكرة الحفاظ ، للذهبى ، 1/361: 363 ، دار إحياء التراث العربى ، بيروت .
15- تهذيب الأسماء واللغات ، للنووى ، 1/ 44: 67، ط المنيرية ، دت .
16- تهذيب الكمال فى أسماء الرجال ، للمزى ، 24/355: 381 ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، 1413/1992 .
17- حسن المحاضرة ، للسيوطى ، تحقيق محمد إبراهيم أبو الفضل ، 1/303: 304 ، دار إحياء الكتب العربية ، عيسى الحلبى ، ط1، 1387/1967 .
18- حلية الأولياء ، لأبى نعيم الأصفهانى ، 9/63: 161 ، مط السعادة ، دت .
19- سير أعلام النبلاء ، للذهبى ، تحقيق محمد نعيم العرقسوسى ، 10/5: 99 ، مؤسسة الرسالة ، ط1، 1402/1982 .
20- شذرات الذهب فى أخبار من ذهب ، لابن العماد الحنبلى ، 2/9: 11 ، المكتب التجارى للطباعة والنشر ، بيروت .
21- طبقات الشافعية ، للأسنوى ، تحقيق عبد الله الجبورى ، 1/11 ، وما بعدها ، ط الأوقاف ، بغداد ، 1390/1970 .
22- طبقات الشافعية الكبرى ، لتاج الدين ابن السبكى ، 1/1: 186 ، ط الخانجى .
23- طبقات المفسرين ، للداودى ، 2/98: 100 ، تحقيق على محمد عمر ، مكتبة وهبة ، ط1 ، 1392/1972 .
24- طبقات النحاة واللغويين ، لابن قاضى شهبة ، ص62: 68، تحقيق محسن عياض ، مطبعة النعمان ، بغداد ، 1974 .
25- الفتح المبين فى طبقات الأصوليين ، للمراغى ، 1/133: 142 ، ط عبد الحميد
حنفى ، دت .
26- مرآة الجنان وعبرة اليقظان ، لليافعى ، 2/13: 28 ، ط الهند 1338هـ ، مصورة منشورات مؤسسة الأعلمى ، بيروت ، ط2 ، 1390/1970 .
27- معجم الأدباء ، لياقوت الحموى ، 17/281: 327 ، مطبعة دار المأمون ، بيروت .
28- النجوم الزاهرة ، لابن تغرى بردى ، 2/176: 177، ط1، دار الكتب المصرية ، 1349/1930 .
29- الوافى بالوفيات ، للصفدى ، 2/171: 181 ، ط2 ، دار النشر شتاينر بفيسبادن ، ألمانيا ، 1401/1981 .
30- وفيات الأعيان ، لابن خلكان ، 4/163: 169 ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت ، 1971 .
(1) كناية عن تسلط أصحاب أبى حنيفة على أصحاب الحديث ، بسبب ضعف أصحاب الحديث فى الفقه ، فربما رووا الحديث فلا يحسنون فهمه ، ولا معرفة أحكامه ، فيتسلط عليهم أصحاب أبى حنيفة .
(1) المائدة ، 95 .
(2) حيث ذكرنا دار النشر ، وأطلقنا ، دون ذكر البلد ، فيكون موطن النشر بمصر .

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

حجا مبرورا و سعيا مشكورا و ذنبا مغفورا بإذن الله … . أسأل الله أن يرزقنا أداء هذا الفرض الجلل عاجلا غير آجل بإذن الله ” آآمين “